تشهد إسبانيا تحركاً أمنياً متزايداً لمراقبة أنشطة منظمات يُعتقد أنها مرتبطة بأوساط قريبة من جماعة الإخوان المسلمين، في إطار توجه أوروبي أوسع لتشديد الرقابة على شبكات التمويل والنشاط المدني المرتبط بـ”الإسلام السياسي”.
وفق معلومات متقاطعة من مصادر بحثية وأمنية أوروبية، طلبت السلطات في مدريد بصورة غير معلنة من نظيرتها في باريس تزويدها ببيانات ومعلومات استخباراتية تتعلق بشبكات تمويل جمعيات ومنظمات يُشتبه في ارتباطها بدوائر قريبة من جماعة الإخوان المسلمين داخل الأراضي الإسبانية.
يأتي هذا الطلب بعد أن رصدت الأجهزة الأمنية الإسبانية زيادة ملحوظة في تأسيس جمعيات خيرية وثقافية مرتبطة بالجاليات المسلمة، خصوصاً في إقليم كتالونيا، حيث يتركز جزء كبير من النشاط المدني والديني المرتبط بالمجتمع المسلم في البلاد.
شبكات مدنية عابرة للحدود
تُشير تقديرات أمنية أوروبية إلى أن جماعة المسلمين طورت خلال العقود الماضية نموذج عمل يعتمد على إنشاء مؤسسات مدنية واجتماعية تعمل في مجالات متعددة مثل العمل الخيري والتعليم الديني والأنشطة الثقافية والشبابية، وهو ما يمنحها حضوراً مجتمعياً واسعاً داخل الجاليات المسلمة في أوروبا.
وتقول تقارير بحثية إن بعض هذه المنظمات يعمل ضمن شبكات عابرة للحدود، حيث ترتبط مؤسسات محلية في دول أوروبية مختلفة بروابط تنظيمية أو فكرية مشتركة، ما يدفع الحكومات إلى تعزيز التعاون الاستخباراتي بينها لتتبع مصادر التمويل وخطوط التنسيق.
التعاون مع فرنسا
اختيار فرنسا كشريك أساسي في هذا الملف ليس أمراً مفاجئاً، إذ تمتلك السلطات المحلية أحد أكبر أرشيفات التحقيقات الأوروبية المتعلقة بشبكات الإخوان والمنظمات المرتبطة بها. وقد أجرت باريس خلال السنوات الماضية سلسلة تحقيقات حول مؤسسات تعليمية وجمعيات ثقافية وشبكات تمويل مرتبطة بما بـ”الإسلام السياسي”.
كما تبنت فرنسا تشريعات وإجراءات أمنية جديدة تهدف إلى تشديد الرقابة على الجمعيات الدينية ومصادر تمويلها، في إطار سياسة أوسع لمكافحة التطرف وتعزيز الرقابة على الأنشطة الدينية ذات الطابع السياسي.
ملف التمويل الأجنبي
يمثل التمويل الخارجي أحد أبرز مصادر القلق لدى الحكومات الأوروبية. التقارير الأمنية تشير إلى أن عدداً من المؤسسات الدينية والخيرية في أوروبا تلقت خلال السنوات الماضية دعماً مالياً من جهات خارج القارة، وهو ما دفع عدة دول إلى فرض قيود قانونية على مصادر التمويل الأجنبية للمؤسسات الدينية.
في إسبانيا، تسعى السلطات إلى تعزيز آليات الرقابة المالية على الجمعيات والمنظمات غير الحكومية، لضمان شفافية التمويل ومنع استخدام العمل الخيري كغطاء لأنشطة سياسية أو أيديولوجية.
سياق أوروبي أوسع
التحركات الإسبانية تأتي ضمن سياق أوروبي أوسع شهد خلال السنوات الأخيرة تشديداً ملحوظاً في السياسات المتعلقة بمراقبة شبكات الإسلام السياسي. فقد اتخذت عدة دول في القارة إجراءات مختلفة شملت إغلاق مؤسسات، وتشديد الرقابة على الجمعيات الدينية، وفرض قيود على التمويل الخارجي للمراكز الإسلامية.
في هذا الإطار، يرى مراقبون أن التعاون الاستخباراتي بين الدول في القارة العجوز مرشح للتوسع خلال السنوات المقبلة، في ظل المخاوف المتزايدة من تأثير الشبكات العابرة للحدود على التوازنات الاجتماعية والسياسية داخل المجتمعات الأوروبية.















