بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

لبنان بين خيار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل وإرث الحروب: كيف قادت حسابات حزب الله البلاد إلى المأزق الحالي؟

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

يعود لبنان مرة أخرى إلى لحظة مفصلية في تاريخه السياسي. التصعيد المتزايد على الحدود الجنوبية، إلى جانب احتمال اتساع المواجهة مع إسرائيل، أعاد إلى النقاش السياسي في بيروت فكرة كانت حتى وقت قريب تبدو غير قابلة للطرح، وهي فتح مسار تفاوضي مباشر مع إسرائيل. غير أن هذا النقاش يجري في سياق لبناني شديد التعقيد، تتداخل فيه الانقسامات الداخلية مع صراعات إقليمية أوسع. فمن يملك فعلياً قرار الحرب والسلم في لبنان؟

تكشف تطورات السنوات الأخيرة، لا سيما في ظل التصعيد العسكري الحالي، تراجع قدرة الدولة اللبنانية على احتكار القرار في القضايا الاستراتيجية الكبرى. فالمؤسسات الرسمية تبدو عاجزة عن ضبط مسار التصعيد أو تحديد توقيته، في حين بات القرار الفعلي في هذا المجال بيد حزب الله، الذي تحول تدريجياً إلى قوة عسكرية وسياسية تتجاوز حدود الدولة نفسها. غير أن الحزب لا يتحرك بوصفه فاعلاً لبنانياً مستقلاً بالكامل، بل كجزء من منظومة إقليمية تقودها إيران.

الجبهة المفتوحة: انتقام لا دفاع

على مدى أكثر من عام ونصف العام، تكبّد حزب الله خسائر بشرية كبيرة نتيجة الضربات التي نفذها الجيش الإسرائيلي، إذ قُتل أكثر من أربعمئة من مقاتليه في عمليات استهداف دقيقة داخل لبنان وخارجه. ومع ذلك، لم يتجه الحزب خلال تلك الفترة إلى خوض حرب واسعة، مكتفياً بردود محدودة ومحسوبة تجنبت الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

المفارقة أن قرار فتح الجبهة لاحقاً لم يكن رداً مباشراً على تلك الخسائر، بل جاء في سياق رد انتقامي مرتبط باغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي. وهو ما عزز لدى كثير من اللبنانيين الانطباع بأن توقيت الحرب وحدودها لا تحددهما الحسابات اللبنانية، بل الاعتبارات الإقليمية المرتبطة بصراع إيران مع إسرائيل.

من حركة مقاومة إلى لاعب إقليمي

عند تأسيس حزب الله في ثمانينيات القرن الماضي، قدّم نفسه بوصفه حركة مقاومة لبنانية هدفها مواجهة الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان. وقد نجح هذا الخطاب آنذاك في استقطاب دعم واسع داخل البيئة الشيعية اللبنانية، كما حاز تعاطفاً عربياً في مراحل مختلفة من الصراع.

لكن مسار الحزب شهد تحولات عميقة مع مرور الوقت. فقد تعمقت علاقته التنظيمية والاستراتيجية مع الحرس الثوري الإيراني، الذي لعب دوراً محورياً في تأسيسه وتسليحه وتدريب كوادره. ولم تقتصر هذه العلاقة على التعاون العسكري، بل ارتبطت أيضاً بخلفية أيديولوجية تقوم على مفهوم “ولاية الفقيه”، أحد ركائز النظام السياسي في إيران.

ومع ترسخ هذا الارتباط، تحول الحزب تدريجياً من حركة لبنانية محلية إلى فاعل ضمن مشروع إقليمي أوسع، حيث شارك مقاتلوه في صراعات خارج الحدود اللبنانية، أبرزها في سوريا واليمن، وأصبح جزءاً من شبكة نفوذ إيرانية تمتد عبر عدة دول في المنطقة.

الحرب الحالية: لبنان في معركة لم يقررها

مع اندلاع الحرب في المنطقة واتساع المواجهة بين إسرائيل ومحور إيران، فتح حزب الله جبهة الجنوب اللبناني. ومنذ البداية، بدا واضحاً أن هذا القرار لم يكن نتاج نقاش وطني لبناني أو قراراً صادراً عن مؤسسات الدولة. فلم ينعقد مجلس الوزراء لاتخاذ قرار بدخول الحرب، ولم يناقش البرلمان المسألة، كما لم يكن للرأي العام اللبناني دور في تحديد هذا المسار. ومع ذلك، وجد لبنان نفسه عملياً في قلب الصراع. وبالنسبة إلى إيران، يشكل لبنان إحدى أهم ساحات الضغط الإقليمي، وعنصراً أساسياً في منظومة الردع التي بنتها في المنطقة خلال العقود الماضية.

في ظل هذا الواقع، يجد لبنان نفسه يدفع كلفة حرب لم يفتعلها. تعرضت قراه الجنوبية لدمار واسع، نزح آلاف المدنيين، وتلقى الاقتصاد، الذي يعاني أصلاً من انهيار تاريخي، ضربةً موجعة إضافية، فالبلاد تعيش منذ سنوات أزمة مالية غير مسبوقة أدت إلى انهيار العملة وتراجع مستوى المعيشة بشكل حاد. وفي ظل هذا الوضع الهش، تبدو أي مواجهة عسكرية واسعة تهديداً وجودياً لما تبقى من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. ومع ذلك، يبقى القرار الفعلي خارج إطار المؤسسات اللبنانية.

ما يميز سلوك حزب الله لا يقتصر على امتلاكه قوة عسكرية كبيرة، بل يرتبط أيضاً بالخلفية الأيديولوجية التي تؤطر قراراته. فالحزب لا يتصرف كحركة سياسية تقليدية تعمل ضمن منطق الدولة الوطنية، بل كتنظيم عقائدي مرتبط بمشروع إقليمي أوسع.

وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى لبنان باعتباره الإطار النهائي للقرار السياسي، بل كجزء من ساحة صراع إقليمي أوسع بين إيران وخصومها في المنطقة، وفي مقدمتهم إسرائيل. وهو ما يعني عملياً أن مصلحة الدولة اللبنانية قد تتراجع أحياناً أمام اعتبارات الصراع الإقليمي.

حصرية السلاح: الدولة في مواجهة الواقع

أعادت الحكومة اللبنانية مراراً التأكيد على مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، وهو مبدأ نص عليه اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية. لكن الواقع سار في اتجاه مختلف، إذ احتفظ حزب الله بسلاحه تحت عنوان “المقاومة”.

ومع انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، عاد الجدل حول شرعية هذا السلاح ودوره داخل الدولة اللبنانية. اليوم، ومع اتساع المواجهة العسكرية على الحدود، عاد هذا النقاش بقوة إلى الواجهة.

فالكثير من القوى السياسية ترى أن استمرار وجود سلاح خارج إطار الدولة يجعل لبنان عرضة للدخول في حروب لا يقررها بنفسه، بينما يرفض الحزب أي بحث في هذه المسألة، معتبراً سلاحه جزءاً أساسياً من معادلة الردع.

يعيد النقاش حول احتمال فتح مسار تفاوضي مع إسرائيل إلى الواجهة تجربة اتفاق 17 أيار. فبعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، حاولت الحكومة اللبنانية التوصل إلى اتفاق ينهي حالة الحرب وينظم العلاقات الأمنية بين البلدين بدعم أمريكي. لكن الاتفاق واجه معارضة شديدة من قوى لبنانية عدة ومن سوريا، التي كانت تمتلك نفوذاً واسعاً في لبنان آنذاك، ما أدى إلى انهياره سريعاً وإلغائه رسمياً. ومنذ ذلك الحين بقيت فكرة أي تفاوض مباشر مع إسرائيل من أكثر الملفات حساسية في السياسة اللبنانية.

الدولة الغائبة

المفارقة أن هذا الجدل كله يدور في ظل غياب واضح للدولة اللبنانية عن موقع القرار. فالدولة التي يفترض أن تحتكر استخدام القوة على أراضيها تبدو عاجزة عن فرض سلطتها في ملف الحرب والسلم.

ولا يعكس هذا الواقع مجرد خلل مؤسساتي، بل نتيجة مباشرة لوجود قوة عسكرية منظمة خارج إطار الدولة تمتلك قدرات تفوق قدرات الجيش اللبناني في بعض الجوانب. وفي ظل هذا التوازن المختل، يصبح الحديث عن سيادة الدولة أقرب إلى الطموح منه إلى الواقع.

يقف لبنان اليوم أمام خيار صعب: إما أن يستمر كساحة متقدمة في الصراع الإقليمي الذي تقوده إيران عبر حزب الله، أو أن يبدأ نقاشاً جدياً حول استعادة الدولة لقرارها الاستراتيجي.

قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كان لبنان سيتفاوض يوماً مع إسرائيل أم لا، بل ما إذا كان اللبنانيون سيتمكنون من استعادة حقهم في أن يكون قرار الحرب والسلم قراراً لبنانياً خالصاً، لا جزءاً من استراتيجية إقليمية تُدار من خارج حدودهم.