أجّجت تصريحات متطرفة مؤيدة لإيران أطلقتها قيادات إخوانية سودانية المخاوف في السودان، الذي يعاني من صراع مُدمر منذ أبريل 2023، من مضاعفة معاناة البلاد ووضعها في قلب الحرب الدائرة حالياً في منطقة الشرق الأوسط، في ظل العمليات العسكرية واسعة النطاق التي يشنها التحالف الأمريكي الإسرائيلي على إيران.
أبدت قيادات الإخوان المسلمين في السودان في خمسة مقاطع فيديو نُشرت بعد ساعات من بدء العملية العسكرية الأميركية الإسرائيلية في إيران، اصطفافها إلى جانب طهران، بل وحتى استعدادها لإرسال قوات من كتائبها المتحالفة مع الجيش السوداني لمواجهة أي إنزال بري أمريكي إسرائيلي في إيران.
وفي أحد المقاطع، قال القيادي البارز في التنظيم الناجي عبد الله: “سنقاتل في خندق واحد مع إيران” ضد من أسماهم بـ”الطغاة وأعداء الإسلام”. فيما انتقد القيادي الآخر ياسر عبيد الله الأصوات السودانية التي أدانت الهجمات الإيرانية على دول الخليج، ووصفهم بـ”الخونة”، داعياً إلى الاصطفاف قتالياً مع إيران.
فيما تعهّد قائد كتيبة “الفرقان”، إحدى الأذرع الإخوانية المسلحة المتحالفة مع الجيش وذات الارتباط بتنظيم القاعدة، بالوقوف بقوة خلف إيران ونقل المعركة إلى كل العالم. وقال قيادي آخر إن إيران تقاتل من أجل “نصرة الإسلام، وهو ما يستدعي دعمها عسكرياً”.
نفوذ إيراني قوي
عزّزت تلك التصريحات التقارير التي أشارت خلال العامين الماضيين إلى نجاح إيران في تحويل السودان إلى ظهير لها في المنطقة. وفي الواقع، سلَّطت الحرب الحالية في السودان الضوء على علاقة تنظيم الإخوان في السودان بإيران، خصوصاً مع بروز دور الكتائب الإخوانية ذات النفوذ الواسع داخل الجيش، ودور طهران في دعم الجيش السوداني.
لتنظيم الإخوان علاقات تعاون قديمة مع إيران تعود إلى تسعينات القرن الماضي، تشمل تدريباً عسكرياً إيرانياً لأذرع مسلحة متحالفة مع الجيش، من بينها كتيبة البراء التي تقاتل مع الجيش السوداني وتتلقى منه دعماً مادياً ولوجستياً ضخماً، ويتركز نشاطها في الولايات الشمالية، وخصوصاً منطقة دنقلا.
وتتبنى الكتيبة فكراً أيديولوجياً متطرفاً على غرار ما كانت تتبناه كتائب الفرقان المسلحة التي نشطت على نطاق محدود في مصر بعد عام 2013.
علاقات أبعد من التسليح
مضت تقارير إلى الحديث عن علاقة تتخطى نطاق التسليح التقليدي، حيث تحدثت عن نقل أسلحة ومعدات إيرانية إلى قاعدة جبلية في شمال الخرطوم في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد في سوريا نهاية عام 2024.
وعرضت قناة “إي إن إس” العراقية صوراً لموقع جبلي يضم منصات إطلاق صواريخ وأجهزة تخصيب إيرانية، قالت إنه يقع على بعد 80 كيلومتراً شمال الخرطوم. وكانت صحيفة “جيروزاليم بوست” قد حذرت من تحوّل السودان إلى راعٍ للأنشطة الإيرانية، مطالبة بإزاحة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان واستبدال نظامه بنظام مناهض لإيران.
في عام 2024 كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن عرض قدمته إيران لتزويد الجيش السوداني بسفينة حربية مقابل إنشاء قاعدة بحرية لها على ساحل البحر الأحمر.
وفقًا للأكاديمي والباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، البروفيسور عبد المنعم همت، فإن تصريحات القيادات الإخوانية تعكس عمقاً كبيراً في العلاقة بين الطرفين. ويوضح: “جذور العلاقة بين جماعة الإخوان ونظام الفقيه في إيران تعود إلى دوافع تشمل الحاجة المتبادلة للتسليح وفتح الطريق أمام النظام الإيراني لتوسيع نفوذه في المنطقة”.
مخاوف قديمة متجددة
قبل اندلاع الحرب الحالية الإسرائيلية الأمريكية ضد إيران بأشهر قليلة، حذرت صحيفة “جيروزاليم بوست” من أن ميناء بورتسودان يتحول بهدوء إلى عقدة رئيسية في شبكة طهران الإقليمية للأسلحة. وقالت الصحيفة إن الخطورة تكمن في تحول الجيش السوداني إلى جناح مسلح لجماعة الإخوان الموالية لإيران، مما يجعل من السودان منصة انطلاق لهجمات محتملة على إسرائيل.
في يونيو 2025، قال تقرير لمرصد الإرهاب إن إيران ناقشت مع قيادة الجيش السوداني إمكانية بناء قاعدة عسكرية أو الحصول على منفذ مائي على الساحل الغربي للبحر الأحمر، مما سيمكنها من تأمين وجود مسلح على طول البحر الأحمر الذي يُعد أحد أهم الطرق البحرية في العالم.
لقد عزّز وجود الأسلحة الإيرانية نظرة أطراف خارجية للسودان بوصفه مهدداً استراتيجياً، بالنظر إلى الشعارات والظهور الطاغي لكتائب الإخوان، وخاصة كتيبة البراء التي صرّح قائدها المصباح طلحة بأن لديهم مشروعاً يتجاوز السودان لنصرة المستضعفين في أي مكان في العالم.
وتشير تقارير موثوقة إلى أن معظم السلاح الإيراني الذي حصل عليه الجيش يقع تحت سيطرة الكتائب الإخوانية، التي باتت تمتلك أسلحة نوعية واستراتيجية تثير القلق في الداخل قبل الخارج.
الدين أداة للهيمنة
يقول الباحث والأستاذ في الجامعات الأميركية خالد كودي لموقع: “أيديولوجية تنظيم الإخوان في السودان تستند إلى تجربة تاريخية بوصفه تنظيماً سياسياً–عقائدياً حوّل الدين إلى أداة للهيمنة، وبنى شبكة سلطوية قامت على العنف المنظم والتحريض وتبرير القتل وتفكيك الدولة من الداخل”. ويضيف: “منذ انقلاب 1989، لم يعمل هذا التنظيم كحزب مدني داخل دولة، بل كجهاز مغلق اخترق الجيش والأمن والقضاء والاقتصاد، ورعى مليشيات، وشرعن الحروب الداخلية، ووفّر الغطاء الفكري والديني لجرائم واسعة”.















