كانت شمس الظهيرة في نواكشوط ترسم ظلالاً طويلة على الرمال الناعمة التي تفترش كل شيء هنا، حتى باحات البيوت الحديثة. في هذه المدينة التي يبدو فيها الزمن متداخلاً بين حداثة العاصمة وعراقة البداوة، وقفتُ أراقب مشهداً يختزل فلسفة “الأمن الفكري” لهذا البلد الذي نجا بأعجوبة من طوفان النار الذي يلتهم جيرانه.
وسط ضجيج الحياة اليومية، شدني مشهد أبٍ يحمل ملامح الوقار، يقبض بحنان وحزم على يد طفل صغير لم يتجاوز الرابعة من عمره. كان الأب باحثاً موريتانياً يقيم ويعمل في دولة الإمارات العربية المتحدة، وقد عاد في إجازة قصيرة، ليس للاستجمام، بل لمهمة يراها “مصيرية”.
اقتربتُ منه، وحين عرفني بنفسه، كان صوته يحمل مزيجاً من الفخر والألم الخفي لفراق وشيك. أشار إلى ابنه الصغير قائلاً: “لقد جئت به من الإمارات إلى هنا، لأتركه وديعة عند خاله لثلاثة أعوام كاملة”.
سألته بفضول الصحافي: ثلاث سنوات؟ قبل أن يدخل المدرسة؟
أجابني وعيناه معلقتان بالطفل: “نعم.. قبل الابتدائية، يجب أن يمر عبر “المحظرة”. سيبقى هنا ليحفظ القرآن الكريم والمتون اللغوية والفقهية. أريد للتعليم النظامي لاحقاً أن يكون سهلاً عليه، لكن الأهم.. أريده أن يؤسس تأسيساً دينياً متيناً يحميه من أي أيديولوجيات قد تعترض طريقه مستقبلاً. هنا سيتشرب نهج أجدادنا في التعليم والتعايش، ليصبح محصناً ضد أي فكر دخيل”.
كان يتحدث عن “اللقاح الشنقيطي”؛ تلك الجرعة المكثفة من العلم الشرعي الأصيل التي تجعل اختراق العقل الموريتاني من قبل دعاة التشدد أمراً شبه مستحيل.
الجاهل.. قنبلة موقوتة
التفتُّ إلى الجانب الآخر، حيث يقف “الخال” الذي سيتسلم هذه الأمانة. كان محمد سيدي عبدالله، رجلاً تكسو وجهه سكينة أهل العلم، يرتدي “الدراعة” الموريتانية التقليدية. سألته ونحن نقف في ظلال أحد الجدران الطينية عن سر هذه الثقة في “المحظرة” كأداة تحصين.
ابتسم محمد بهدوء الواثق، وقال لي بلهجة قاطعة: “نعم يا أخي، المحظرة هي أفضل تحصين للأبناء ضد الأفكار المتطرفة. أنظر إلى من يحملون السلاح باسم الدين في دول الجوار.. المتطرفون في الغالب جهلة؛ لا يحفظون القرآن، ولا يفهمون لسان العرب، ولا يدركون قواعد تأويل النص الشرعي. تجنيد الجاهل سهل جداً، يكفي أن تدغدغ عواطفه بآية قرآنية لا يفهم سياقها”.
صمَت قليلاً قبل أن يضيف وهو يشير بيده وكأنه يرسم منهجية التعليم: “هذا مستحيل في حالة طلبتنا. نحن نؤسسهم، نسلحهم بالنصوص الشرعية الصحيحة، وندرسهم تالياً علم أصول الفقه والمنطق واللغة. الطالب هنا يملك فلتراً عقلياً، لا تمر عليه الشبهات. كيف تخدع شخصاً يحفظ الأصول ويعرف مقاصد الشريعة؟”.
لماذا فشل التطرف هنا؟
تركتُ محمد والطفل، وتوجهتُ للقاء الباحث والإعلامي الموريتاني عبدالله ولد الأمين، لمحاولة فهم الصورة الأكبر. كيف نجت موريتانيا بينما يشتعل الساحل؟
بادرني ولد الأمين بالقول: “التطرف فشل في موريتانيا بالفعل، ليس بالبندقية فقط، بل لأنه لم يجد أرضاً خصبة ينبت فيها”. وبدأ يشرح لي نظريته التي تبدو متماسكة جداً: “المتطرفون يزرعون أفكارهم في بيئات شبه أمّية، أو بيئات حديثة عهد بالتدين السطحي، وهو ما يحسنون استغلاله. لكن هنا، اصطدموا بجدار سميك من العلم”.
يضيف ولد الأمين بنبرة ممتنة: “نحن محظوظون بالمحظرة التي أسسها الأسلاف منذ عهد المرابطين. هذه الجامعات الصحراوية هي التي حمت مجتمعاتنا حتى اليوم”.
ولأن العالم بدأ يدرك قيمة هذا “النموذج”، أشار ولد الأمين إلى أن المحاظر اليوم لم تعد مجرد خيام منعزلة، بل هي في ازدياد وتطور وتجد دعماً كبيراً من الداخل والخارج. وضرب مثالاً حياً بالدعم الذي تقدمه دولة الإمارات العربية المتحدة لـ “المحظرة الشنقيطية الكبرى” في مدينة أكجوجت. هذا المشروع ليس مجرد بناء، بل هو استثمار استراتيجي يهدف إلى ترسيخ قيم الوسطية والاعتدال، وضمان استمرار تدفق هذا الفكر المستنير.
من الدفاع إلى الهجوم السلمي
بينما كنت أسجل ملاحظاتي، أدركت أن موريتانيا لم تكتفِ بتحصين بيتها الداخلي. البلاد التي تمكنت من حماية مجتمعها، بدأت الآن تخوض “حرباً أخرى” باتجاه الجوار، لكنها حرب ناعمة مسلّحة بالحوار والعلم.
هنا يبرز الدور المحوري للعلامة الموريتاني المجدد عبدالله بن بيه، الذي يقود جهوداً جبارة عبر “المؤتمر الإفريقي لتعزيز السلم”. حضرتُ أصداء دورته السادسة التي انعقدت مُؤخراً في نواكشوط، حيث لم يكن الحضور مجرد أكاديميين، بل ضم قيادات وساسة من مختلف القارة، وبالأخص من منطقة الساحل الملتهبة.
الأرقام التي تداولتها النقاشات كانت مرعبة؛ فمنطقة الساحل باتت مسؤولة عن 60% من وفيات الإرهاب في العالم. رقم مفزع جعل الجميع يلتفت إلى “الوصفة الموريتانية”.
تسعى جهود المؤتمر، بقيادة بن بيه، لاستعادة زمام المبادرة. الهدف هو إعادة الاعتبار للتعليم الأساسي الأصيل الذي عرفته المحاظر في شمال وغرب القارة لقرون. تلك المحاظر والكتاتيب التي كانت يوماً منارات علم في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، أضحت اليوم تواجه تحديات وجودية، حيث احتلت الجماعات المتشددة المدن والقرى، وأغلقت المدارس أو حولتها إلى معسكرات.
العودة إلى البداية
عدتُ بذاكرتي إلى الطفل الصغير في نواكشوط، الذي سيبدأ رحلته غداً مع “اللوح الخشبي” والحبر التقليدي (الصمغ).
في عالم تتسابق فيه الدول نحو التسلح التقني والعسكري، يبدو أن الموريتانيين وجدوا سلاحهم الأقوى في “الكلمة”. فبينما يترك الأب ابنه لثلاث سنوات، هو لا يتركه للصحراء، بل يتركه في حصن منيع.
غادرتُ المكان وأنا موقن بأن قصة هذا الطفل ليست حالة فردية، بل هي استراتيجية بقاء لأمة كاملة. ففي هذه الأرض، التعليم ليس مجرد شهادة، بل هو مسألة “أمن قومي”، وحصانة ضد الفناء، ورسالة سلام تحاول موريتانيا أن تضمد بها جراح قارة تنزف.















