بقلم: كمال كروري
بقلم: كمال كروري

مقالات مشابهة

إسلام سياسي

ضغوط متصاعدة لتصنيف “الإخوان” في السودان تنظيماً إرهابياً وسط تحذيرات من دور مُزعزع للاستقرار الداخلي والدولي

بقلم: كمال كروري
بقلم: كمال كروري

تتزايد الضغوط الداخلية والخارجية لتصنيف الإخوان المسلمين في السودان جماعةً إرهابية، على غرار ما فعلته إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حيال الجماعة في الأردن ومصر ولبنان في ديسمبر/كانون الأول 2025. وتستند هذه الدعوات إلى اعتبارات عدة، من أبرزها تنامي نفوذ التنظيم، الذي يُشكّل عاملاً “مزعزعاً للاستقرار” ويهدد بتحويل البلاد إلى مركز للتطرف العابر للحدود.

دعا معهد “جيت ستون” للدراسات الاستراتيجية، وهو مركز بحثي أمريكي متخصص في قضايا السياسة الخارجية ومقره نيويورك، إدارة الرئيس ترامب إلى تصنيف تنظيم “الإخوان” في السودان منظمة إرهابية. وتجد هذه المطالب الدولية صدىً داخلياً واسعاً، إذ يرى كثير من المراقبين أن السياسات والجرائم التي ارتُكبت منذ سيطرة الجماعة على السلطة عام 1989 ألحقت أضراراً بالغة بالبلاد.

واستبعد معهد “جيت ستون”، في دراسة حديثة، إمكانية وقف الحرب المستمرة في السودان منذ منتصف أبريل/نيسان 2023 أو تحقيق السلام، من دون كسر سيطرة التنظيم على الجيش والسلطة القائمة في بورتسودان. وأشارت الدراسة إلى أن واشنطن سبق أن صنّفت فروعاً لتنظيم الإخوان في دول أخرى بالمنطقة، معتبرةً أن الوقت قد حان لتمديد هذه السياسة لتشمل “الحركة الإسلامية في السودان”، بوصفها الامتداد المحلي للجماعة.

جرائم داخلية وارتباطات خارجية

يشير مراقبون إلى جرائم خطيرة، من بينها تأجيج حروب أهلية بشعارات دينية تكفيرية في جنوب وغرب وجنوب شرق البلاد خلال تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الحالية، فضلاً عن ربط اسم السودان بعمليات إرهابية عابرة للحدود.

بعد عامين من استيلائه على السلطة عبر انقلاب عسكري في يونيو/حزيران 1989، استضاف التنظيم زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن عام 1991، في خطوة شكّلت نقطة تحول مفصلية في تاريخ السودان. وأعقب ذلك وصول عشرات القيادات المتطرفة من دول مختلفة، ما فتح الباب أمام ارتباطات مباشرة بمجموعات إرهابية خارجية.

يقول الباحث والأكاديمي الأمين بلال إن “التاريخ الدموي لتنظيم الإخوان يدعم بقوة المطالب المتصاعدة بتصنيفه تنظيماً إرهابياً”، مضيفاً أن الجماعة في السودان “ارتبطت داخلياً بالانقلابات والحروب ونهج العنف، كما أن لها صلة وثيقة خارجياً بدعم عمليات إرهابية عابرة للحدود، ما أضر كثيراً بسمعة السودان”.

يُحمّل بلال التنظيم مسؤولية الانقسامات المجتمعية الراهنة التي تهدد وحدة البلاد، موضحاً أن “الأحادية الفكرية التي يتبناها التنظيم، إضافة إلى توظيف الإثنية سياسياً وتدخله في شؤون دول أخرى، تجعل وجوده خطراً على السلم والأمن المحليين والدوليين”.

تكرار سيناريو التسعينيات

حذّر معهد “جيت ستون” من تكرار أخطاء تسعينيات القرن الماضي وترك المجال أمام التنظيم لاستنساخ تجربته السابقة في تحويل السودان إلى بؤرة للشبكات الإرهابية العابرة للحدود.

في مطلع التسعينيات، فتح التنظيم أبواب السودان لاستضافة عناصر متطرفة، ومنح جوازات سفر لعناصر اتُّهمت بتنفيذ عمليات إرهابية خارجية، من بينها محاولة اغتيال الرئيس المصري الراحل محمد حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995، وتفجير سفارتي الولايات المتحدة في تنزانيا وكينيا عام 1998، والهجوم على المدمرة الأمريكية “يو إس إس كول” قبالة السواحل اليمنية عام 2000، ثم هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 في نيويورك.

أدى ربط السودان بتلك العمليات إلى إدراجه على القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب لمدة 27 عاماً، ما ترتب عليه خسائر اقتصادية قُدّرت بأكثر من 700 مليار دولار، بحسب الخبير الاقتصادي عادل سيد أحمد.

الحرب بيئة مواتية لأنشطة التنظيم

تمكّن التنظيم من إحكام سيطرته على معظم مفاصل الدولة السياسية والأمنية والاقتصادية عقب الانقلاب الذي نفذه قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في أكتوبر/تشرين الأول 2021، وتعززت قبضته أكثر في ظل الحرب الحالية.

في هذا السياق، يشير معهد “جيت ستون” إلى أن الحرب، إلى جانب علاقات التنظيم الخارجية، جعلت من السودان بيئة مواتية سمحت للشبكات المتطرفة بالعمل بأقل قدر من القيود. كما لفت إلى علاقات سابقة للتنظيم بإيران وعدد من المجموعات المسلحة، مثل جماعة الحوثيين وحركة الشباب الصومالية، معتبراً أن هذه الروابط تُبرز دور التنظيم كمُيسّر إقليمي للحركات المسلحة.

وتتحدث تقارير عن ارتباطات بين مجموعات إخوانية وتنظيمات إرهابية دولية مثل “داعش”. فقد أشار مقطع فيديو متداول إلى التحاق أحد قادة كتيبة “البراء” السابقين بمقاتلي التنظيم في سوريا عام 2012. وعززت الانتهاكات الخطيرة المنسوبة إلى كتيبة “البراء” ومجموعات مسلحة أخرى محسوبة على التنظيم من المطالب الداعية إلى تصنيفه جماعةً إرهابية.

صراع جهادي تكفيري

أعادت الحرب الحالية، التي أسفرت عن مقتل أكثر من 150 ألف شخص وتشريد نحو 15 مليوناً، وخلقت واحدة من أكبر المآسي الإنسانية في العالم، إلى الأذهان النهج الدموي الذي ارتبط بالتنظيم.

منذ عام 1990، حوّل التنظيم الحرب الأهلية في الجنوب إلى صراع ذي طابع جهادي تكفيري ضد الغالبية المسيحية، ما أسهم في انفصال الجنوب عام 2011. كما أسهمت الشعارات الجهادية في تأجيج صراعات عرقية دامية في النيل الأزرق وجنوب كردفان ودارفور عام 2003، أودت بحياة أكثر من 300 ألف شخص وشرّدت الملايين.

خلال الحرب الراهنة، وُجّهت اتهامات موثقة لمجموعات مسلحة تابعة له بارتكاب جرائم تصفية وذبح وقطع رؤوس وهدم مزارات دينية، وسط تداول مقاطع فيديو تُظهر أنماطاً من العنف تتشابه مع الأساليب المنسوبة لتنظيم “داعش”.

تداخل أدوار التنظيم مع مؤسسات الدولة

يرى الباحث والناشط الحقوقي عمار نجم الدين أن الخطر الأكبر يكمن في استخدام التنظيم لبنية الدولة لممارسة العنف، ويقول إن “التنظيم تحوّل إلى شبكة تتحرك داخل الجيش وأجهزة الأمن والاقتصاد، وأعاد تشكيل هذه المؤسسات لخدمة أهدافه، ما جعله يشكّل خطراً على الداخل والخارج”.

تعكس الدعوات المتصاعدة لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان تنظيماً إرهابياً قلقاً متزايداً من تداخل أدوار التنظيم مع مؤسسات الدولة في سياق حرب مدمرة وأزمة إنسانية عميقة. وبينما يستند مؤيدو هذا التوجه إلى سجل من الصراعات الداخلية والارتباطات الخارجية المثيرة للجدل، يبقى الجدل مفتوحاً حول تداعيات أي خطوة تصنيفية على مسار الحرب وفرص التسوية السياسية، في وقت يواجه فيه السودان تحديات وجودية تتطلب إعادة بناء الدولة ومؤسساتها على أسس الاستقرار والشمول.