كشفت ردود الفعل الصادرة عن بعض التيارات المحسوبة على الإسلام السياسي، مع عبور الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية الأجواء باتجاه مدن عربية وخليجية منذ 28 فبراير 2026، عن مسارٍ مُغاير لما كان متوقعاً في مثل هذا السياق. فبدلاً من التوجه إلى إدانة القصف الذي طال دول عربية، اتجهت هذه التيارات إلى إصدار بيانات تضامن مع طهران، مقدّمةً إياها في خطابها السياسي والإعلامي بوصفها الطرف “المعتدى عليه”.
يعكس هذا الموقف نمطاً من الاصطفاف الأيديولوجي الذي بدا متجاوزاً لاعتبارات الجغرافيا العربية وحدودها السياسية، إذ جرى تأطير الأحداث ضمن سرديات أوسع مرتبطة بطبيعة الصراع الإقليمي، على حساب التركيز على مسألة استهداف أراضي دول عربية وما يحمله ذلك من تداعيات على أمن المنطقة واستقرارها.
صمت الإسلام السياسي أمام قصف الخليج
أظهرت مواقف وتصريحات صادرة عن شخصيات وتنظيمات مرتبطة بالإسلام السياسي، توجهاً مختلفاً في مقاربة التطورات الجارية. فبدلاً من التركيز على انتقال الحرب إلى مدن عربية ومنشآت مدنية، اتجه هذا الخطاب إلى إدانة الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، مُقدّماً طهران في كثير من الأحيان بوصفها ضحية التصعيد. وقد بدا هذا التناول وكأنه يتجاوز واقع استهداف المجال الحيوي لدول عربية، لصالح قراءة سياسية أوسع للصراع الإقليمي.
تعكس البيانات الصادرة عن جهات رسمية خليجية صورة أكثر تفصيلاً لحجم الهجمات الإيرانية، إذ أظهرت أن مئات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة أُطلقت باتجاه دول المنطقة، مع اعتراض الغالبية الساحقة منها بواسطة أنظمة الدفاع الجوي.
التموضع في خانة “التضامن مع إيران”
في المقابل، سارعت تيارات وشخصيات محسوبة على الإسلام السياسي إلى التموضع في خانة “التضامن مع إيران”، مقدّمةً إياها بوصفها طرفاً يتعرض للعدوان، في صياغاتٍ مرّت سريعاً—أو تجاهلت تماماً—حقيقة أن إيران قصفت مدناً خليجية ونقلت المعركة إلى أراضٍ عربية.
من أبرز الأمثلة على هذا الخطاب بيان جماعة الإخوان المسلمين، الذي ركّز بصورة أساسية على إدانة الضربات الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، قبل أن يشير إلى “استهداف عواصم عربية” باعتباره “انحرافاً عن البوصلة”، من دون تسمية الجهة التي نفذت الهجمات أو توصيف ما جرى بوصفه استهدافاً إيرانياً مباشراً لدول عربية. يعكس هذا الأسلوب في الصياغة محاولة لتجنب تحميل طهران مسؤولية الهجمات على الرغم من وقوعها على مدن خليجية.
في موريتانيا، ذهب حزب “التجمع الوطني للإصلاح والتنمية – تواصل” خطوة أبعد في هذا الاتجاه، حين دعا صراحة إلى التضامن مع “الجمهورية الإسلامية” في مواجهة ما وصفه بـ”الاعتداء”. إن هذا الموقف يُعتبر محاولة لتحويل لحظة استهداف المدن الخليجية إلى منصة تعبئة سياسية وإعلامية لصالح طهران، بدلاً من التركيز على تداعيات الهجمات على الأمن العربي.
أما في السودان، فقد أثارت تصريحات أحد القياديين المحسوبين على التيار الإخواني جدلاً واسعاً، بعد ربطه مسار الحرب في السودان بما يجري في إيران، معتبراً أن مصير الصراعين متداخل. ومن هذا المنطلق، فإن هذا الطرح يعكس تموضعاً سياسياً يتجاوز الاعتبارات الوطنية الضيقة، ويتجه نحو اصطفاف إقليمي واضح ضمن سردية أوسع للصراع الدائر في المنطقة.
شرعنة الضربات الإيرانية داخل الدول العربية
في موازاة بيانات التضامن، برز خطابٌ آخر أكثر حساسية في نظر دول الخليج، يقوم على تبرير استهداف إيران لأهداف داخل الجغرافيا العربية باعتباره استهدافاً “مشروعاً” لقواعد عسكرية أمريكية في المنطقة، مع الإصرار لفظياً على أن القصف لا يستهدف الدول المضيفة نفسها. ويعكس هذا الخطاب محاولة لإعادة تعريف الضربات التي طالت المجال الحيوي لدول عربية بوصفها جزءاً من مواجهة عسكرية أوسع، لا اعتداءً مباشراً على تلك الدول.
ويمتد هذا المنطق إلى دوائر أوسع داخل خطاب ما يُعرف بمحور طهران، حيث تُقدَّم القواعد والأصول العسكرية الموجودة في دول عربية باعتبارها أهدافاً “مشروعة” بحكم الشراكة العسكرية أو الاستضافة. غير أن العواصم الخليجية ترفض هذه المقاربة، وترى فيها انتهاكاً صريحاً لسيادتها وتقويضاً مباشراً لأمن المدنيين، لأنها عملياً تفتح الباب أمام تحويل أراضي الدول العربية إلى ساحات رسائل عسكرية إيرانية متى شاءت إيران.
في اليمن، ظهر هذا الخطاب بوضوح في مواقف قيادة الحوثيين التي برّرت استهداف إيران “القواعد الأمريكية في المنطقة” باعتباره “حقاً مشروعاً”، مقروناً بدعوات للتضامن والتحرك. وقد قرأت عواصم خليجية هذه الصياغة على أنها محاولة لتقليل أهمية استهداف المدن الخليجية، عبر تقديمه كأنه مجرد “تفصيل عملياتي” في معركة أوسع.
أما في ليبيا، فقد منح المفتي الصادق الغرياني غطاءً دينياً وسياسياً لهذا المنطق، عندما أكد “حق إيران” في استهداف “القواعد العسكرية المعادية” في المنطقة، مع التحذير في الوقت نفسه من استهداف المدنيين والمنشآت المدنية. غير أن القراءة الخليجية ركزت على الرسالة الأبرز في هذا الخطاب، والمتمثلة في شرعنة توجيه ضربات داخل دول عربية تحت عنوان الدفاع عن إيران.
رد خليجي: “اختبار نوايا”
في المقابل، ترى العواصم الخليجية أن ما جرى لم يكن مجرد سجالٍ سياسي عابر، بل لحظة كاشفة لما تصفه بـ”اختبار النوايا”. فحين كانت الصواريخ الإيرانية تعبر الأجواء باتجاه مدن خليجية، بدت بعض الأصوات التي ترفع شعارات “الأمة” عاجزة عن تسمية المعتدي أو إدانة القصف بشكلٍ واضح وصريح.
في هذا السياق، فإن الفارق لم يكن في الدعوة إلى وقف الحرب بحد ذاتها، بل في الانتقائية التي طبعت الخطاب. فبينما ظهر وضوح كامل في المواقف عندما تعرّضت طهران للضربات، ساد الغموض أو برزت محاولات التبرير عندما تعرّضت مدن خليجية مثل أبوظبي والرياض والمنامة والدوحة والكويت ومسقط لتهديد الصواريخ والمسيّرات.
ترى دول الخليج أن البيانات التي أعلنت التضامن مع إيران في الوقت الذي كانت فيه صواريخها تعبر السماء العربية نحو مدن خليجية، لم تكن مجرد مواقف عابرة، بل مؤشراً على تموضعٍ سياسي واضح؛ إذ بدت، في نظر هذه العواصم، كأنها تعطي أولوية للمشروع الأيديولوجي على حساب الدولة الوطنية، وتقدّم رواية طهران على حساب أمن المجتمعات العربية التي تزعم تلك التيارات تمثيلها.















