برحيل الدبلوماسية الفلسطينية ليلى شهيد في 18 فبراير 2026، تخسر فلسطين واحدة من أبرز وجوهها السياسية في أوروبا، وتفقد الدبلوماسية العربية شخصية لعبت دوراً محورياً في إيصال الرواية الفلسطينية إلى صناع القرار والرأي العام الغربي طوال أكثر من ثلاثة عقود. توفيت شهيد عن عمر ناهز 76 عاماً في منزلها بجنوب فرنسا، بعد معاناة طويلة مع المرض.
رحيلها لم يكن حدثاً عابراً في الأوساط الدبلوماسية؛ فقد شكّلت طوال سنوات وجودها في باريس ثم بروكسل أحد أبرز العناوين السياسية للقضية الفلسطينية في أوروبا، وارتبط اسمها بمحطات مفصلية من تاريخ العمل الدبلوماسي الفلسطيني بعد اتفاق أوسلو.
من بيروت إلى المنابر الأوروبية
وُلدت ليلى شهيد في العام 1949 في بيروت لعائلة فلسطينية لجأت إلى لبنان بعد نكبة 1948. درست الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع في الجامعة الأمريكية في بيروت، وعملت في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في بداياتها، قبل أن تنتقل إلى فرنسا لإكمال دراستها والانخراط في النشاط السياسي الطلابي.
في سبعينيات القرن الماضي، برز اسمها في أوساط الطلبة الفلسطينيين في أوروبا، حيث تولت رئاسة الاتحاد العام لطلبة فلسطين في فرنسا، في مرحلة كانت فيها القضية الفلسطينية تخوض معركة الاعتراف الدولي والتمثيل السياسي.
أول امرأة تُمثل فلسطين رسمياً في أوروبا
أصبحت ليلى شهيد في العام 1989، أول امرأة تمثل منظمة التحرير الفلسطينية رسمياً في الخارج، عندما عُيّنت ممثلة في إيرلندا. لاحقاً، انتقلت إلى هولندا والدنمارك، قبل أن تتولى في العام 1993 منصب المندوبة العامة لفلسطين لدى فرنسا، وهو المنصب الذي شغلته حتى العام 2005.
في تلك المرحلة، كانت باريس إحدى أهم الساحات الأوروبية في التعاطي مع الملف الفلسطيني، خصوصاً بعد توقيع اتفاق أوسلو، حيث لعبت شهيد دوراً أساسياً في إدارة العلاقة مع الحكومة الفرنسية، ومخاطبة الرأي العام عبر الإعلام والمنابر الفكرية.
عُيّنت في العام 2006، سفيرة لفلسطين لدى الاتحاد الأوروبي وبلجيكا ولوكسمبورغ، لتنتقل إلى بروكسل، عاصمة القرار الأوروبي. هناك، أمضت ما يقارب عقداً كاملاً في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، في مرحلة اتسمت بتعقيدات سياسية متصاعدة، سواء على مستوى المفاوضات أو الاستيطان أو الانقسام الفلسطيني الداخلي.
وجه فلسطين في الإعلام الفرنسي
لم تكن ليلى شهيد دبلوماسية تقليدية تكتفي بالعمل خلف الأبواب المغلقة. فقد عُرفت بحضورها الإعلامي الكثيف في القنوات الفرنسية والأوروبية، حيث كانت من أكثر الشخصيات الفلسطينية قدرة على مخاطبة الجمهور الغربي بلغته السياسية والثقافية.
تميّز خطابها بالهدوء والوضوح، مع تمسكها الثابت بالرواية الفلسطينية، ما جعلها ضيفة دائمة على البرامج السياسية خلال الانتفاضتين الفلسطينيتين، وحروب غزة، ومحطات التوتر الكبرى في المنطقة.
كما ساهمت في تأسيس Tribunal Russell on Palestine، وهو مبادرة دولية هدفت إلى مساءلة السياسات الإسرائيلية من منظور القانون الدولي، وشاركت في إدارة مجلة Revue d’études palestiniennes المتخصصة في الشأن الفلسطيني.
علاقة وثيقة بياسر عرفات
ارتبط اسم شهيد تاريخياً بالقيادة الفلسطينية، وكانت قريبة من الرئيس الراحل ياسر عرفات، وعملت ضمن الإطار السياسي لمنظمة التحرير خلال مراحل حساسة من تاريخها. وقد اعتُبرت من الجيل الذي انتقل بالقضية الفلسطينية من العمل الثوري إلى الدبلوماسية الدولية المنظمة.
فور إعلان وفاتها، نعاها الرئيس الفلسطيني محمود عباس، مشيداً بمسيرتها الطويلة في خدمة الشعب الفلسطيني، ومعتبراً أنها “كرّست حياتها للدفاع عن الحرية والعدالة والسلام”. كما عبّرت السفيرة الفلسطينية في فرنسا هالة أبو حصيرة عن حزنها، ووصفتها بأنها “خسارة كبيرة لفلسطين وللدبلوماسية الدولية”.
بحسب ما أوردته عائلتها، عانت ليلى شهيد من مرض طويل خلال السنوات الأخيرة، وأشارت تقارير إعلامية فرنسية إلى أن وفاتها جاءت بعد معاناة صحية قاسية. وعلى الرغم من حساسية التفاصيل، فقد طغى في التغطية الإعلامية التركيز على إرثها السياسي والدبلوماسي، أكثر من ظروف رحيلها.
إرث دبلوماسي في زمن التحولات
يأتي رحيل ليلى شهيد في مرحلة تشهد فيها القضية الفلسطينية واحدة من أكثر فتراتها تعقيداً على المستوى الدولي. وبينما تتغير موازين القوى وتتبدل أولويات العواصم الكبرى، يبرز سؤال حول مستقبل الحضور الفلسطيني في أوروبا، بعد غياب شخصية تمتعت بعلاقات واسعة وخبرة طويلة داخل مؤسسات القرار.
لقد جسّدت شهيد نموذج الدبلوماسية الفلسطينية الحديثة: امرأة خرجت من تجربة اللجوء، وحملت قضيتها إلى أروقة السياسة الدولية، مستفيدة من الثقافة، والإعلام، والعلاقات الأكاديمية، في معركة طويلة من أجل الاعتراف والحقوق.
برحيلها، تخسر فلسطين سفيرة كانت تعرف كيف تخاطب الغرب بلغته، دون أن تتنازل عن ثوابتها. ويبقى إرثها شاهداً على مرحلة كاملة من العمل السياسي الفلسطيني في أوروبا — مرحلة كانت ليلى شهيد أحد أبرز وجوهها وأكثرها حضوراً.















