عربية Global Watch
عربية Global Watch

مقالات مشابهة

ملفات إبستين: شهود الظل (1-3)

داخل إمبراطورية جيفري إبستين: كيف أدارت بيروقراطية ناعمة شبكة الاستغلال من خلف المكاتب المغلقة؟

عربية Global Watch
عربية Global Watch

عندما نتخيل “شبكة إجرامية”، يتبادر إلى أذهاننا رجال عصابات بوجوه مخيفة، ولغة خشنة، وأسلحة مخبأة تحت المعاطف. لكن في إمبراطورية جيفري إبستين، كان الوجه الحقيقي للجريمة أكثر “نعومة” و”اعتيادية” بشكل يثير الرعب في النفس.

لم يكن الوجه ملثماً، بل كان عبارة عن سيدات أنيقات بملابس راقية، يجلسن في مكاتب مكيفة في الطوابق العليا بمانهاتن، أمامهن أحدث شاشات الكمبيوتر وهواتف لا تتوقف عن الرنين. مهامهن اليومية تبدو للوهلة الأولى بريئة ومملة، “تنسيق المواعيد، حجز الطيران، وإدارة النفقات”.

نفتح اليوم الملف الأكثر تعقيداً ونُدرة في تغطيتنا لملفات جيفري إبستين: “الشر الإداري”. كيف يمكن لموظفات، بعضهن كنّ أمهات حنونات في بيوتهن، أو شابات طموحات يسعين وراء “الحلم الأمريكي”، أن ينظمن الجدول اليومي لـ “وحش”؟ كيف تحولت أسماء الضحايا القاصرات في سجلاتهن من كائنات بشرية لها أرواح ومخاوف إلى مجرد “أرقام” و”خانات زمنية” محشورة بين موعد “تدليك” وجلسة عمل مع ملياردير؟

حارسات البوابة

في قلب العاصفة، كانت هناك شخصيات محورية مثل ليزلي غروف (Lesley Groff) وسارة كيلين (Sarah Kellen). لم تكن هؤلاء النساء مجرد موظفات استقبال عاديات؛ بل “العمود الفقري” الذي يربط رغبات إبستين بالواقع اللوجستي. ليزلي غروف، التي عملت مساعدة شخصية لإبستين لأكثر من عقدين، كانت توصف بأنها “امتداد لعقله”.

تظهر الوثائق وسجلات المحكمة التي كُشف عنها مؤخراً أن هؤلاء المساعدات كنّ يعرفن “كل شيء” حرفياً. لم يكن دورهن يقتصر على الرد على الهاتف؛ إنما تلقي الاتصالات المباشرة من “فتيات التدليك”، ويرتبن تفاصيل وصولهن عبر الطائرات الخاصة أو سيارات الليموزين، ويشرفن على جداول “الاستلام والتسليم” كما لو كانت شحنات تجارية. والأدهى من ذلك، كان عليهن التأكد من أن الضحايا حصلن على “السيولة النقدية” اللازمة (المكافآت) بعد خروجهن من الغرف المغلقة، لضمان صمتهن أو عودتهن مرة أخرى.

كيف تنام “البيروقراطية” ليلاً؟

السؤال الذي يطارد كل من يقرأ هذا الملف هو: كيف استطاعت هؤلاء النساء ممارسة حياتهن الطبيعية وهن يُسهّلن تدمير حياة أخريات؟

الإجابة تكمن في آلية نفسية دفاعية شديدة التعقيد تسمى “التقسيم الوظيفي”. لقد نجحت ليزلي وسارة وزميلاتهن في إقناع أنفسهن بأن الجريمة تحدث “هناك” خلف الباب المغلق، بينما عملهن يقتصر على “هنا” أمام الشاشة.

لقد بررن أدوارهن عبر تحويل المأساة إلى “إجراءات”:

  • “أنا لا أغتصب أحداً، أنا فقط أحجز تذكرة طيران لشركة يونايتد إيرلاينز”.
  • “أنا لا أتحرش، أنا فقط أسجل اسماً في المفكرة لترتيب الوقت”.
  • “أنا موظفة مخلصة، والولاء للمدير هو أسمى قيم العمل”.

هذا الفصل الذهني البارد هو ما أطلقت عليه الفيلسوفة حنة آرندت اسم “تفاهة الشر”. فالشر العظيم لا يحتاج دائماً إلى أشرار بالمعنى الدرامي، بل إلى “موظفين مطيعين” ينفذون الأوامر دون مساءلة أخلاقية، محولين الكارثة الإنسانية إلى معاملة ورقية.

“التجنيد الناعم”

غسيل الدماغ من الضحية إلى الجلاد، إحدى أكثر الزوايا قتامة في ملف سارة كيلين، التي يرى البعض أنها تجسد مأساة مزدوجة. بدأت كيلين رحلتها مع إبستين وهي شابة صغيرة، ويُعتقد أنها كانت ضحية في البداية. لكن إبستين وغيسلين ماكسويل كانا يُتقنان أسلوباً شيطانياً في “إدارة الموارد البشرية”، وهو “ترقية الضحية”.

بعد فترة من الاستغلال، يتم عرض “طوق نجاة” على الفتاة: “لماذا لا تتوقفين عن كونك ضحية، وتصبحي جزءاً من الإدارة؟ موظفةٌ براتب ضخم، وشقة فاخرة، ومكانة اجتماعية، مقابل أن تديري شؤون الفتيات الأخريات”.

هنا تتحول الضحية إلى جلاد. هذا التكتيك لا يوفر لإبستين موظفة كفؤة فحسب، بل أيضاً “شريكة في الجُرم” لا يمكنها أبداً الوشاية به، لأنها أصبحت الآن مُتورطة في “تجنيد” أخريات. إنه توريط منهجي يحطم البوصلة الأخلاقية للفتاة، ويجعلها ترى في أن استمرار النظام الإجرامي حماية لنفسها من السجن أو العار.

سجلات العار

“الكتاب الأسود الصغير” (Little Black Book)، هو في الحقيقة تحفة إدارية من إنتاج مكتب إبستين. هذا الكتاب الذي يضم أرقام هواتف الملوك والرؤساء والمليارديرات بجانب أرقام “المدلكات” القاصرات، يمثل قمة “تطبيع الشذوذ”.

في نظر السكرتيرة التي طبعت هذه الأسماء ونظمتها أبجدياً، لم يكن هناك فرق جوهري بين رقم هاتف رئيس سابق للولايات المتحدة، ورقم هاتف ضحية مجهولة تبلغ من العمر 14 عاماً تم جلبها من ضواحي فلوريدا. كلاهما “جهة اتصال” في إمبراطورية إبستين. هذه المساواة الباردة في السجلات هي التي جعلت الجريمة مؤسسية. فعندما يتحول الضحايا إلى بيانات، يتوقف القلب عن الشعور بالذنب، وتصبح المهمة مجرد “تحديث لقاعدة البيانات”.

إن صدمة الحصانة المفاجأة التي تثير حنق الضحايا حتى اليوم، هي أن معظم هؤلاء المساعدات نجون تماماً من الملاحقة القضائية. في عام 2008، عندما أُبرمت “الصفقة من الجحيم” في فلوريدا، مُنح إبستين حصانة غير مسبوقة، والأدهى أنها شملت “أي موظف أو مساعد محتمل”.

بجرة قلم، حصلت ليزلي غروف وسارة كيلين وأخريات على صك براءة أبدي من الدولة. اليوم، تعيش بعضهن حياة هادئة بأسماء جديدة أو في وظائف بعيدة عن الأضواء؛ بعضهن تزوجهن رجال أعمال، وبعضهن يمارسن مهناً إبداعية مثل التصميم الداخلي. المجتمع قد يطاردهن باللعنات على الإنترنت، لكن القانون وقف عاجزاً، أو مُتواطئاً، أمام بيروقراطية الشر التي أتقنها الجنس اللطيف.

الشيطان يكمن في “جداول الإكسل”

تُعلمنا قصة مساعدات إبستين درساً أخلاقياً قاسياً: الشر لا يحتاج دائماً إلى أنياب ظاهرة؛ هاتف ذكي فقط، جدول بيانات على صفحة إكسل، وموظف مجتهد لا يطرح الأسئلة، قد يكون كافياً.

هؤلاء الموظفات كنّ “الواجهة المحترمة” التي سمحت للوحش بأن يعيش في قلب المجتمع الراقي. لقد جعلن الجريمة تبدو منظمة، ونظيفة، وروتينية. وبدون هذا الجهاز الإداري الناعم، لم يكن إبستين ليتمكن من إدارة شبكة عابرة للقارات بهذا الحجم والتعقيد. إن قصة “شهود الظل” هي تذكير بأن الصمت والمشاركة البيروقراطية في الجريمة ليست مجرد وظيفة، إنما هي الخطيئة التي تجعل الجريمة ممكنة من الأساس.