بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

“حزب الله” يُجرّ لبنان إلى الحرب: الدولة على صفيح ساخن بين قرار الحكومة وصواريخ الضاحية الجنوبية

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

في ظل تصاعد العنف على الحدود الجنوبية وتوسّع الغارات الجوية داخل لبنان، يقف اللبنانيون اليوم أمام اختبار وجودي لدولتهم. لم يعد التصعيد الأخير مُجرد تبادل للضربات، بل أصبح تهديداً مباشراً لقدرة الدولة اللبنانية على حماية شعبها والحفاظ على وحدة أراضيها، مع ما يعكسه من هشاشة القرار السياسي، ضعف المؤسسات التنفيذية، وغياب استراتيجية وطنية تحمي المدنيين من تداعيات أي صراع إقليمي.

تُواجه الحكومة اللبنانية برئاسة نواف سلام تحدياً مزدوجاً، حيث تؤكد موقفها الحازم بحظر أي نشاطات عسكرية لحزب الله، وإلزامه بتسليم سلاحه وحصر دوره في المجال السياسي، مع تكليف الأجهزة الأمنية والعسكرية بتنفيذ الإجراءات لمنع إطلاق صواريخ أو طائرات مسيرة وتوقيف المخالفين، بما يضع القرار العسكري والسياسي في يد الدولة وحدها. 

هذا الموقف الرسمي يأتي في وقت تتوسع فيه الغارات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية للبنان، وجنوب البلاد، ومناطق البقاع، ما يزيد الضغط على الدولة لإعادة فرض سيادتها على الأرض ووقف أي محاولات لحزب الله لجر لبنان إلى صراع مفتوح يُهدد المدنيين والاستقرار الوطني.

مُواجهة السّلاح غير الشرعي

أعلن نواف سلام أن الحكومة تطالب حزب الله بتسليم سلاحه وحصر دوره في المجال السياسي فقط، مؤكداً أن أي عمل عسكري خارج إرادة الدولة يمثل خرقاً للسيادة الوطنية ويعرّض المدنيين للخطر. وصرّح سلام بعد جلسة مجلس الوزراء: “ندين إطلاق الصواريخ من لبنان، ما يستدعي حظر نشاطات حزب الله وإلزامه بالعمل السياسي، وطلبنا من الأجهزة الأمنية تنفيذ الإجراءات لمنع أي عمليات عسكرية أو إطلاق صواريخ أو طائرات مُسيرة وتوقيف المخالفين”.

كما طلب رئيس الوزراء من قيادة الجيش المباشرة في حصر السلاح في شمال الليطاني، مُؤكداً أن قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية وحدها. الحكومة شددت على أهمية تنشيط الجهود الدبلوماسية مع المجتمع الدولي والدول الشقيقة والصديقة لضمان وقف العدوان الإسرائيلي، واستعادة الالتزام اللبناني بمدرجات اتفاقات وقف الأعمال العدائية السابقة.

لكن القرار الرسمي القوي يصطدم بعقبات كبيرة على الأرض، أهمها هيمنة حزب الله العسكرية، والانقسامات السياسية الداخلية، وضعف قدرات المؤسسات التنفيذية، والضغوط الإقليمية والدولية، ما يجعل تنفيذ أي خطة عملية صعبة للغاية.

الغارات الإسرائيلية وتصعيد المواجهة

منذ فجر اليوم، تشنّ إسرائيل غارات جوية مكثفة على مناطق متعددة في لبنان، شملت الضاحية الجنوبية لبيروت، جنوب لبنان، والبقاع، مستهدفة مسؤولين ومواقع استراتيجية لحزب الله رداً على إطلاق مقذوفات من الحزب تجاه الأراضي الإسرائيلية، وأسفرت الغارات عن سقوط 31 قتيلاً و149 جريحاً في حصيلة أولية وفق وزارة الصحة.

تحوَّل المشهد في الضاحية إلى تهديد يومي لحياة المدنيين مع توسع نطاق الغارات إلى البقاع، مع دعوات لإخلاء بعض القرى لحماية السكان، ما يعكس خطورة الانزلاق إلى حرب شاملة ويزيد الضغط على الدولة اللبنانية لإعادة فرض سيطرتها على أراضيها وحماية المدنيين من التداعيات المباشرة للهجمات المتبادلة بين إسرائيل وحزب الله.

النزوح الداخلي: المدنيون بين نارين

نتيجة التصعيد، شهد لبنان موجة نزوح داخلي كبيرة، خصوصاً من الضاحية الجنوبية ومناطق البقاع، حيث تبحث العائلات عن أماكن نسبياً أكثر أماناً. هذه المناطق تخضع بالكامل لسيطرة الدولة اللبنانية ولا يوجد فيها تواجد لحزب الله، لكنها ليست ملاذاً آمناً حقيقياً، بل إعادة توزيع مؤقت للمخاطر في ظل غياب استراتيجية وطنية لحماية المدنيين.

الأمان النسبي في هذه المناطق يعود إلى البعد الجغرافي عن مناطق الاشتباك المباشر، وغياب الأهداف العسكرية الظاهرة، وضعف البنية الدفاعية. الواقع يوضح أن المدنيين اللبنانيين رهائن لتصرفات قوة مسلحة خارج إرادة الدولة، ما يجعل نزوحهم داخلياً وتهجيرهم المؤقت مجرد حل مُؤقت لا يحمي الأرواح.

عقبات تطبيق قرار الحكومة على الأرض

على الرغم من وضوح الموقف الرسمي، تُواجه الدولة اللبنانية تحديات حقيقية عدة في فرض إرادتها، أبرزها:

  • هيمنة حزب الله العسكرية: قوة صاروخية دقيقة وبنية عسكرية متكاملة لا تخضع للجيش اللبناني، ما يعوق أي تنفيذ عملي للقرار الحكومي.
  • الانقسامات السياسية الداخلية: بعض القوى داخل الحكومة والبرلمان لا تتفق على مواجهة الحزب مباشرة، ما يضعف القدرة على اتخاذ إجراءات صارمة وفعالة.
  • ضعف المؤسسات التنفيذية: الجيش والأجهزة الأمنية غير مجهزة لمواجهة قوة مسلحة منظمة ومدعومة إقليمياً، ويُقلل ذلك من فاعلية أي تحرك على الأرض.
  • الضغوط الإقليمية والدولية: الدعم الإيراني للحزب يزيد من تعقيد أي خطوات مباشرة، فيما يُطالب المجتمع الدولي لبنان بعدم الانجرار إلى صراع شامل يُهدد استقرار المنطقة.

هذه العقبات تجعل القرار الحكومي صارماً من حيث المبدأ، ولكنه هش من حيث التطبيق، ويعكس فقدان الدولة اللبنانية القدرة على فرض سيادتها وحماية المدنيين.

الاقتصاد اللبناني.. حرب أعمق من الحرب العسكرية

حتى قبل التصعيد الأخير، كان الاقتصاد اللبناني في حالة انهيار شبه كامل منذ أواخر العام 2019، مع فقدان الثقة بالعملة الوطنية، وتدهور الخدمات الأساسية، وارتفاع معدلات الفقر. أي حرب جديدة ستزيد من ضعف البنية التحتية، وستشل قدرة الدولة على حماية المواطنين وإعادة الإعمار.

الحرب العسكرية قد تكون قصيرة المدى، لكنها تكشف هشاشة لبنان اقتصادياً، فيما الحرب الاقتصادية المستمرة منذ سنوات تُمثل خطراً أعمق على المجتمع اللبناني. انهيار الخدمات الصحية، التعليم، والبنى التحتية يجعل من الصعب على الدولة حماية المدنيين أثناء أي تصعيد عسكري، ما يزيد من أهمية فرض الدولة سيطرتها على السلاح والمجال العسكري.

أزمة السّيادة: لبنان بين القرار والعجز

الوضع الحالي يعكس أزمة سيادة حقيقية. الدولة اللبنانية اليوم غير قادرة على فرض الأمن، وحماية المدنيين، أو إدارة الحرب والسلم بشكل كامل. وجود حزب الله كقوة مسلحة مستقلة يجعل لبنان دولة محدودة القرار، معرضة للابتزاز الداخلي والخارجي، ويجعل الشعب اللبناني الأكثر تضرراً من صراعات لا دخل له فيها.

السيادة ليست مجرد كلمة تُقال في خطابات رسمية، بل هي قدرة فعلية على فرض الأمن داخل الأراضي الوطنية، حماية المواطنين، واتخاذ القرار السياسي والعسكري باسم الدولة. في لبنان اليوم، هذه القدرة مُجزأة ومُهددة بشكل كامل.

السيناريوهات المفتوحة

في ظل الوضع الراهن، هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة، هي:

  • احتواء محدود: تبادل ضربات ضمن نطاق محدود مع تدخل دبلوماسي دولي لتهدئة النزاع.
  • تصعيد واسع: امتداد القتال ليشمل عمق المدن والمناطق الحيوية، مع آثار إنسانية كارثية على المدنيين والاقتصاد.
  • تسوية إقليمية: ربط وقف النار باتفاقات أكبر في المنطقة، لكنها تتطلب إرادة دولية حقيقية وتنسيق إقليمي قوي.

كل هذه الخيارات غير مضمونة، وما هو مُؤكد أن الشعب اللبناني هو الأكثر تضرراً، فيما الدولة تكافح لاستعادة سيادتها ووضع حد لتصرفات قوة مسلحة خارج إرادتها.

لبنان بحاجة إلى دولة قوية

إعلان الحكومة اللبنانية عن حظر الأنشطة العسكرية لحزب الله وتسليم سلاحه يمثل خطوة ضرورية لاستعادة السيادة الوطنية وحماية المدنيين، لكنه يواجه تحديات كبيرة على الأرض. تنفيذ هذا القرار يحتاج إلى إرادة سياسية قوية، قدرات تنفيذية فعالة، ودعم كامل لمؤسسات الدولة.

لبنان اليوم ليس أمام مجرد اختبار أمني عابر، بل أمام اختبار وجودي يتطلب إعادة بناء مؤسساته من أساسها، وإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة وقوة السلاح في أراضيها. أي تأجيل أو تجاهل لهذا الواقع قد يقود البلاد إلى مزيد من الانهيار، ويجعل الشعب اللبناني وحيداً في مواجهة تداعيات صراعات لا دخل له فيها.