يُواجه “حزب الله” اللبناني مرحلة مفصلية غير مسبوقة، تتقاطع فيها التحولات الداخلية مع تصعيد إقليمي مُتسارع يُعيد رسم موقعه ودوره. فالحزب الذي ارتبط اسمه سابقاً بـ”المقاومة”، بات اليوم موضع جدل ورفض مُتزايد في عدد من الدول العربية، على وقع انخراطه في شبكات عابرة للحدود وارتباطه الوثيق بالحرس الثوري الإيراني.
في الداخل اللبناني، تتصاعد الدعوات إلى حظر جناح الحزب العسكري وحصر السلاح بيد الدولة، في ظل ضغوط سياسية متنامية. ومع تفكيك خلايا أمنية في الخليج، تتكشف ملامح مرحلة جديدة لم يعد فيها نفوذه محصوراً بلبنان، بل بات جزءاً من معادلة إقليمية مُعقدة تتداخل فيها السياسة بالأمن والاقتصاد.
تكشف التطورات الأمنية المتسارعة خلال الأيام القليلة الماضية في الخليج العربي عن نمطٍ منسّق من الأنشطة السرّية المرتبطة بشبكات عابرة للحدود، تتقاطع فيها الأدوار بين “حزب الله” والحرس الثوري الإيراني، في سياق إقليمي بالغ التوتر. فقد أعلنت كل من الإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت بالإضافة للبحرين عن تفكيك خلايا أمنية تحمل سمات متشابهة من حيث البنية والوظيفة، ما يعكس تصعيداً نوعياً في أدوات الصراع غير المباشر داخل دول الخليج.
واجهات اقتصادية لتمويه الأنشطة الأمنية
في الإمارات، كشف جهاز أمن الدولة في الساعات الأخيرة عن شبكة إرهابية تعمل بتوجيه مباشر من “حزب الله” والحرس الثوري، اعتمدت على واجهات اقتصادية مُعقدة لإخفاء نشاطها. وتشير المعطيات إلى أن أفراد الخلية، ومعظمهم من المقيمين من جنسيات عربية، ولا سيما اللبنانية، إلى جانب عناصر أجنبية، كانوا يديرون شركات استيراد وتصدير وخدمات لوجستية صورية.
استُخدمت هذه الكيانات في عمليات غسل أموال واسعة النطاق لتمويل أنشطة خارجية، إضافة إلى محاولة اختراق البيئة الاقتصادية عبر جمع بيانات حساسة حول المؤسسات المالية وحركة السيولة. كما شكّلت هذه الشركات غطاءً لتمرير معدات تقنية متقدمة ضمن شحنات تجارية، في إطار استراتيجية تمويه تستهدف تجاوز الرقابة الأمنية التقليدية.
خلايا هجومية واستهداف منشآت حيوية
أما في قطر، فقد أعلنت السلطات في مطلع مارس 2026 عن تفكيك خليتين مرتبطتين بالحرس الثوري، اتسم نشاطهما بطابع أكثر هجومية. ضمت الشبكة عشرة عناصر، توزّعوا على مجموعتين: الأولى (سبعة أفراد) كُلّفت بمهام استخباراتية دقيقة، شملت جمع إحداثيات ومعلومات تفصيلية حول منشآت حيوية وعسكرية، خصوصاً في قطاع الطاقة. في حين أوكلت إلى المجموعة الثانية (ثلاثة أفراد) مهام تخريبية مباشرة، حيث تلقى أفرادها تدريبات متقدمة على تشغيل الطائرات المسيّرة لتنفيذ هجمات داخلية. وكشفت المضبوطات عن أجهزة اتصال مشفّرة، وبيانات ميدانية حساسة، ومعدات تكنولوجية عالية التطور، ما يؤكد مستوى الاحتراف والتخطيط المسبق.
خلية الكويت: اختراق محلي وتجهيزات عسكرية
في الكويت، جاءت العملية الأمنية في 17 مارس لتكشف عن أخطر الاختراقات من حيث البعد المحلي، إذ ضمت الخلية أربعة عشر مواطناً كويتياً إلى جانب عنصرين لبنانيين. وتشير المعلومات إلى أن هذه الشبكة كانت تعمل ضمن نموذج “الخلايا النائمة”، مع تجهيزات لوجستية وعسكرية تهدف إلى زعزعة الاستقرار الداخلي عند تفعيلها. وضُبطت بحوزة أفرادها أسلحة نارية وذخائر، وأجهزة اتصال لاسلكية تقليدية، إضافة إلى طائرات مسيّرة، ما يعكس استعداداً لعمليات مركبة تجمع بين العمل الميداني والتقني.
تهديدات هجينة وتصعيد إقليمي
تتجاوز دلالات هذه العمليات الأمنية البعد الداخلي لكل دولة، لتندرج ضمن سياق إقليمي أوسع يشهد تصعيداً عسكرياً متسارعاً، خصوصاً في ظل استهداف منشآت الطاقة في الخليج. فقد تعرّضت مواقع استراتيجية مثل حقلي “حبشان” و”باب” في الإمارات، ومنشأة “رأس لفان” في قطر، لهجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ خلال الأسبوع ذاته، في ما يبدو أنه جزء من استراتيجية ضغط متعددة المستويات. وضمن هذا الإطار، يُرجّح أن دور هذه الخلايا لم يكن مستقلاً، بل مُكمّلاً للعمليات الخارجية، سواء عبر تزويد الجهات المنفذة بإحداثيات دقيقة، أو من خلال تنفيذ ضربات من الداخل بالتوازي مع الهجمات العابرة للحدود.
بذلك، تكشف هذه الوقائع عن تحوّل في طبيعة التهديدات الأمنية في الخليج، من أنماط تقليدية إلى شبكات هجينة تجمع بين الاقتصاد والاستخبارات والعمل العسكري غير المباشر، ما يفرض على دول المنطقة إعادة تقييم أدوات المواجهة، وتعزيز التكامل بين الأمنين الداخلي والاقتصادي في مواجهة هذا النوع من التحديات المركّبة.
هذا التحول لم يكن مفاجئاً، بل هو نتيجة تراكم طويل من التدخلات الداخلية والخارجية، وتحول تدريجي في طبيعة عمل الحزب. فقد انتقل من كونه قوة محلية ذات حضور شعبي ومقدرة على تقديم خدمات اجتماعية، إلى تنظيم عابر للحدود، ملاحق أمنياً في عدة دول عربية، ومتهمة شبكاته بتهديد استقرارها الداخلي.
البدايات: حضور شعبي لبناني وعربي
في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، ارتبط صعود حزب الله بسياق الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان. وبفضل هذا السياق، تمكن الحزب من بناء قاعدة شعبية محلية قوية داخل لبنان، امتدت تأثيراته إلى الشارع العربي، الذي رآه نموذجاً للفاعلية التنظيمية والسياسية.
ترافق هذا الظهور مع شبكة واسعة من الخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية، ما عزز حضوره المحلي ومنحه بعداً يتجاوز العمل العسكري. كما أسهم الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان العام 2000 في تعزيز صورته لدى قطاعات واسعة من اللبنانيين والعرب، وأتاح له الاحتفاظ بصورة البطل الذي صمد في مواجهة الاحتلال، الأمر الذي عزز شرعيته السياسية والشعبية في المنطقة.
التحول الإقليمي: امتداد الدور اللبناني إلى الخارج
مع تعاظم العلاقة بين الحزب وإيران، بدأ دوره يتجاوز الحدود اللبنانية، وأصبح جزءاً من منظومة إقليمية تقودها طهران. هذا التحول كان واضحاً بشكل خاص خلال الحرب السورية، حيث شارك الحزب في القتال إلى جانب نظام بشار الأسد، ما أعاد تعريف دوره في نظر الدول العربية، وأثار جدلاً داخلياً في لبنان بين القوى السياسية حول تأثيراته على الاستقرار الداخلي.
مع الوقت، صار الحزب ليس مجرد قوة لبنانية محلية، بل ذراعاً إقليمية تنفيذية للنظام الإيراني، مع شبكات استخباراتية وتجسسية وتخريبية في عدد من الدول العربية، ما جعله محط مراقبة وتوجس دولي واسع.
نشاط خلايا حزب الله في الدول العربية
تُعد هذه الشبكات العابرة للحدود جزءاً من استراتيجية الحزب للتمدد الخارجي، حيث تجاوز دوره العسكري، مع خطط مباشرة لزعزعة الأمن والاستقرار المحلي والإقليمي:
الكويت: “خلية العبدلي” والنشاط المتجدد
- خلية العبدلي: (2015) ضبطت السلطات ترسانة ضخمة من الأسلحة، وأدين 26 شخصاً بالتخابر مع إيران وحزب الله لتنفيذ أعمال عدائية.
- تطورات 2026: ضبط خلية جديدة تضم 16 شخصاً (14 كويتياً ولبنانيين) بتهمة التخطيط لعمليات تخريبية، مع أجهزة اتصالات مشفرة وطائرات من دون طيار.
الإمارات: التجسس الاقتصادي والعسكري
- خلية 2014-2016: محاكمة 7 أشخاص من جنسيات متعددة لكشفهم معلومات سرية حول القوات المسلحة وحقول النفط والغاز، وبيانات موظفين في وزارة الداخلية.
- التصنيف: صنفت الإمارات “حزب الله” بجميع أجنحته منظمة إرهابية العام 2014، مع تشديد الرقابة على التحويلات المالية.
مصر: “خلية سامي شهاب” واقتحام السجون
- خلية سامي شهاب: (2009) خططت لاستهداف أهداف سياحية وسفن في قناة السويس.
- أحداث 2011: تورط الحزب في اقتحام سجن “وادي النطرون” لتهريب عناصره، ما اعتبرته السلطات المصرية انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية.
السعودية: “حزب الله الحجاز” وتمويل الإرهاب
- حزب الله الحجاز: الجناح السعودي المرتبط فكرياً وتنظيمياً بالمركز في لبنان، والمسؤول عن عمليات مثل تفجير الخُبر (1996).
- شبكات التمويل: رجال أعمال وشركات واجهة لجمع الأموال وغسلها لصالح الحزب، ما أدى لتصنيفه إرهابياً وفرض عقوبات صارمة على المنتسبين له.
البحرين والأردن: التجنيد والتحريض
- البحرين: عشرات الخلايا مثل خلية “سرايا الأشتر” التي تلقت تدريباً في لبنان والعراق لتنفيذ تفجيرات واغتيالات.
- الأردن: أحبط محاولات تهريب أسلحة واستخدام أراضيه كنقطة انطلاق لعمليات الحزب، خصوصاً مع تزايد نفوذه في الجنوب السوري القريب من الحدود الأردنية.
لبنان والحرب الداخلية
في الداخل اللبناني، أدت مشاركة الحزب في النزاعات الإقليمية إلى انعكاسات مباشرة على الوضع الداخلي. الحرب الدائرة بين الفصائل شهدت سيطرة الحزب على مناطق استراتيجية، وتعزيز نفوذه السياسي والعسكري. واستمراره في امتلاك السلاح خارج سلطة الدولة أثار جدلاً حاداً، وبرزت قرارات من الحكومة اللبنانية وبعض القوى السياسية تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة وحظر نشاط جناحه العسكري، في خطوة لحماية السيادة الوطنية والحد من التوتر الداخلي.
لا يمكن فهم خطورة الخلايا العابرة للحدود دون إدراك أن قرارها لا يصدر من بيروت فحسب، بل يمر عبر القنوات الاستخباراتية في طهران:
أولاً: التبعية العقائدية والسياسية (ولاية الفقيه)
يُعلن “حزب الله” التزامه الصريح بنظرية “ولاية الفقيه”، ما يجعل المرشد الأعلى في إيران مرجعاً ليس فقط في الشؤون الدينية، بل في القرارات الاستراتيجية والعسكرية، ما يعكس أن أجندة الحزب في الدول العربية هي انعكاس مباشر لطموحات التوسع الإيراني.
ثانياً: التمويل الإيراني: عصب الشبكات الدولية
تشير التقديرات إلى أن إيران تمد الحزب بميزانية سنوية ضخمة تتجاوز 700 مليون دولار في بعض الفترات، ما مكّنه من إنشاء وحدات متخصصة مثل:
- الوحدة 910: المسؤولة عن العمليات الخارجية السرية.
- الوحدة 133: المكلفة بالعمليات داخل الأراضي الفلسطينية والدول المجاورة.
- الوحدة 3800: المتخصصة في تدريب المليشيات الموالية لإيران في العراق واليمن، بما في ذلك الحوثيين.
ثالثاً: الحزب كمدرسة تدريب للمشروع الإيراني
تحول “حزب الله” إلى “المُدرب المُعتمد” من إيران لنشر نموذج المليشيات:
- اليمن: تدريب الحوثيين على استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، ما يهدد أمن السعودية والملاحة الدولية.
- العراق: تأسيس وتدريب فصائل “الحشد الشعبي” لضمان النفوذ الإيراني في العراق.
رابعاً: استراتيجية “تصدير الثورة” عبر الخلايا النائمة
تستخدم إيران “حزب الله” كأداة لتنفيذ أهدافها دون المواجهة المباشرة:
- زعزعة الاستقرار الداخلي: تجنيد مواطنين محليين (كما في خلايا البحرين والكويت) لتنفيذ التفجيرات.
- الضغط الدبلوماسي: استخدام الخلايا كأوراق ضغط في المفاوضات الإقليمية والدولية.
- الالتفاف على العقوبات: شبكات تجارية وشركات واجهة لغسل الأموال الإيرانية وتجاوز الحظر الدولي.
مواجهة عربية: تفكيك الشبكات وتجفيف التمويل
تحركت الدول العربية لمواجهة نشاط الحزب عبر التنسيق الأمني، وتبادل المعلومات، وتشديد الرقابة على التحويلات المالية، وإصدار قوانين تجرّم الانتماء إليه أو دعمه، ما ساعد على تفكيك عدد من الخلايا والحد من قدرة الحزب على تنفيذ العمليات، وكشف طبيعة شبكاته العابرة للحدود.
أدى تحول الدور والسلوك إلى تغيير جذري في نظرة الشارع العربي للحزب، الذي لم يعد يُنظر إليه كفاعل دفاع عن القضايا العربية، بل كجهة تسهم في تعقيد الأزمات الإقليمية، وتفرض أجندة خارجية على الهوية العربية الداخلية.
تحول أعاد رسم المكانة
يعكس مسار “حزب الله” نموذجاً للتحولات التي تمر بها الحركات المسلحة عندما تتجاوز حدودها الوطنية. فقد انتقل من تنظيم محلي ذو حضور شعبي إلى لاعب إقليمي يمتلك شبكات معقدة، لكنه فقد جزءاً كبيراً من شرعيته. اليوم، يُنظر إليه في كثير من الدول العربية على أنه تنظيم منبوذ نتيجة سياساته وتدخلاته وأنشطته العابرة للحدود، في مرحلة تعكس طبيعة المنطقة الجديدة حيث الممارسات الفعلية أصبحت المعيار الأساسي للحكم على الفاعلين السياسيين.















