بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

تقرير اقتصادي

حرب الشرق الأوسط تهزّ أسواق الطاقة العالمية.. النفط يقفز 25% والعقود الآجلة تلامس 117 دولاراً للبرميل

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

شهدت أسواق النفط العالمية قفزة حادة مسجلة أعلى مستوياتها منذ منتصف عام 2022، إذ ارتفعت الأسعار بأكثر من 25%، الاثنين، وسط تصاعد الحرب في الشرق الأوسط واتساع نطاق المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وهو ما أثار مخاوف عميقة بشأن اضطراب طويل الأمد في الإمدادات العالمية.

قفزت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 27%، لتصل إلى 117.65 دولاراً للبرميل في التعاملات الصباحية المبكرة، فيما ارتفعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنحو 28%، لتبلغ 116.62 دولاراً للبرميل، قبل أن تقلص بعض المكاسب، ما يضع السوق على مسار تسجيل أكبر قفزة يومية على الإطلاق.

وشهد النفط الخام الأمريكي ارتفاعاً بنحو 35% الأسبوع الماضي، مسجلاً أكبر مكسب له في تاريخ تداول العقود الآجلة منذ عام 1983. وكانت آخر مرة تجاوزت فيها أسعار النفط 100 دولار للبرميل بعد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.

مضيق هرمز في قلب الأزمة

تعيش أسواق الطاقة حالة من التوتر غير المسبوق مع تصاعد المخاطر حول مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، والذي تمر عبره عادة نحو 20% من إمدادات النفط العالمية.

أدى تصاعد العمليات العسكرية وتزايد المخاطر الأمنية إلى تعطل حركة ناقلات النفط وتباطؤ الشحنات بالفعل، الأمر الذي جعل الأسواق العالمية، والآسيوية خصوصاً الأكثر اعتماداً على خام الشرق الأوسط، في موقع أكثر هشاشة أمام أي اضطرابات إضافية في الإمدادات.

ومن المتوقع أن يقود استمرار الاضطرابات في المضيق إلى اختلال كبير في توازن العرض والطلب العالميين، وهو ما يفسر موجة الشراء المكثفة التي شهدتها الأسواق خلال الساعات الأخيرة.

خفض الإنتاج يعمق صدمة الإمدادات

تزامن ارتفاع الأسعار مع خطوات فعلية من بعض المنتجين في الشرق الأوسط لتقليص الإنتاج نتيجة تعطل عمليات التصدير. فقد انخفض إنتاج العراق من حقوله النفطية الرئيسية بنحو 70% ليصل إلى 1.3 مليون برميل يومياً فقط، بعد أن تعذر تصدير النفط عبر مضيق هرمز نتيجة الحرب.

كما أعلنت مؤسسة البترول الكويتية خفض الإنتاج وتفعيل بند القوة القاهرة ضمن عقود الطاقة والشحنات، في خطوة تعكس تعطل سلاسل التصدير في المنطقة. لتنضم بذلك إلى شركة “​بابكو إنرجيز” ‌البحرينية، و”قطر للطاقة”، عقب هجمات استهدفت مرافق حيوية للتكرير والإنتاج تابعة لها.

انعطافات سياسية وتداعيات اقتصادية

زادت التطورات السياسية داخل إيران من حدة القلق في الأسواق، بعد الإعلان عن تعيين مُجتبى خامنئي مرشداً أعلى للبلاد خلفاً لوالده الذي قُتل في بداية الحرب. ويشير هذا التعيين إلى استمرار سيطرة التيار المحافظ المتشدد على الحكم في طهران، ما يقلل احتمالات التهدئة السريعة.

لا يقتصر تأثير ارتفاع النفط على قطاع الطاقة فحسب، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله، إذ يشكل النفط عنصراً أساسياً في تكاليف النقل والصناعة والسلع الاستهلاكية. وتؤدي أسعار الخام المرتفعة إلى زيادة تكاليف الوقود عالمياً، وبالتالي ارتفاع أسعار النقل والشحن، وصعود معدلات التضخم، فضلاً عن تباطؤ النمو الاقتصادي في الدول المستوردة للطاقة.

قد يجبر الصراع الإيراني من جهة والأمريكي الإسرائيلي من الجهة الأخرى المستهلكين والشركات حول العالم على مواجهة أسابيع أو حتى أشهر من ارتفاع أسعار الوقود، حتى لو انتهت الحرب سريعاً، بسبب الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية وتعطل الخدمات اللوجستية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.

دعوات لاستخدام الاحتياطي الاستراتيجي

مع القفزة الكبيرة في الأسعار، تصاعدت الضغوط السياسية داخل الولايات المتحدة لاتخاذ إجراءات عاجلة لاحتواء صدمة الأسعار. فقد دعا زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى السحب الفوري من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي. وقال، إن هذه الخطوة ضرورية من أجل استقرار الأسواق وخفض الأسعار وحماية الأسر الأمريكية من صدمة الوقود الناتجة عن الحرب.

تؤكد التطورات الأخيرة أن سوق النفط دخل مرحلة جديدة من التقلبات الحادة المرتبطة بالمخاطر الجيوسياسية. وفي حال استمرار الحرب وتعطل الإمدادات في الخليج، قد يشهد العالم موجة جديدة من ارتفاع الأسعار والتضخم العالمي، وهو سيناريو يعيد إلى الأذهان صدمات الطاقة الكبرى التي غيرت مسار الاقتصاد العالمي في العقود الماضية.

في ظل هذا المشهد، تبقى أسواق الطاقة رهينة لتطورات الصراع في الشرق الأوسط، ولقدرة المجتمع الدولي على حماية طرق الإمداد الحيوية وإعادة الاستقرار إلى أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.