بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير سياسي

جولة جنيف الثالثة: واشنطن وطهران تختبران فرص الاتفاق النووي بين الدبلوماسية وحافة التصعيد

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تتجه الأنظار اليوم الخميس إلى مدينة جنيف السويسرية حيث تُستأنف الجولة الثالثة من المحادثات بين الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية إيران بشأن البرنامج النووي، في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، ووسط تحذيرات من تصعيد محتمل على خلفية التوترات المتصاعدة.

غادر وفد إيران المفاوض بقيادة وزير الخارجية عباس عراقجي متوجهاً إلى جنيف، في حين أوضح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن بلاده ترى فرصة لتحقيق نتائج إيجابية، مشيراً إلى أن الهدف هو إدارة العملية للخروج من حالة “اللا حرب واللا سلام”.

ترجيح كفّة الحل الدبلوماسي

من المقرر أن يلتقي المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، بالوفد الإيراني الخميس في جنيف، حيث استؤنفت المفاوضات بين البلدين في وقت تعزز فيه الولايات المتحدة قدراتها العسكرية في الشرق الأوسط، فيما تهدد إيران بالرد على أي استهداف لقواعدها في المنطقة. وأوضح ترامب، الأسبوع الماضي، أن طهران أمام مهلة تتراوح بين 10 و15 يوماً للتوصل إلى اتفاق، مؤكداً تفضيله الحل الدبلوماسي، واصفاً البرنامج النووي الإيراني بأنه تهديد للتوازن الإقليمي.

من جهته، أكد عراقجي أن التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة “في متناول اليد”، لكنه مشروط بإعطاء الأولوية للدبلوماسية، وأن استمرار الحوار البناء هو السبيل لتجنب التصعيد العسكري.

الوفود والوسطاء

يضم الوفد الإيراني خبراء سياسيين ومستشارين متخصصين في الشؤون النووية، ويستند عملهم إلى التفاهمات التي تم التوصل إليها في الجولة السابقة. ويهدف الوفد إلى التوصل لاتفاق منصف في أقصر وقت ممكن، مع التركيز على منع الانزلاق إلى المواجهة العسكرية.

أما الوفد الأمريكي، فيقوده المبعوث الخاص لإيران روبرت مالي بمشاركة ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وفريق من الخبراء في منع الانتشار النووي والعقوبات الاقتصادية. وتُجرى الاجتماعات بصيغة غير مباشرة عبر وسطاء أوروبيين لتوفير مساحة للمرونة السياسية بعيداً عن التصريحات الإعلامية الحادة.

البنود المطروحة

تركز المباحثات على مستويات تخصيب اليورانيوم وآليات الرقابة الدولية، وجدول زمني لرفع العقوبات مقابل خطوات إيرانية ملموسة، إضافة إلى تتبع السلوك الإقليمي لطهران وتأثيره في أمن الشرق الأوسط. وتطالب الولايات المتحدة بوقف أنشطة التخصيب كافة ونقل مخزون اليورانيوم خارج البلاد.

في المقابل، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن الادعاءات الأمريكية بشأن البرنامج النووي والصواريخ الباليستية ليست سوى “تكرار لأكاذيب كبرى”. وتصر إيران على أن برنامجها النووي سلمي، وترفض التخلي عن حقها في التخصيب، مطالبة بضمانات اقتصادية تشمل رفع العقوبات تدريجياً.

بالتوازي مع المسار الدبلوماسي، عززت الولايات المتحدة وجودها العسكري في الشرق الأوسط عبر نشر قوة بحرية وطائرات مقاتلة متقدمة، وأنظمة دفاع جوي في قواعد استراتيجية كرسالة ردع. كما شملت التحركات تنسيقاً مع القوات الحليفة في الخليج. بدورها، أجرت طهران مناورات صاروخية وبحرية، وأعلنت القوات المسلحة الإيرانية تنفيذ تدريبات بمشاركة الحرس الثوري لحماية المنشآت الحيوية.

تداعيات إقليمية واقتصادية

يُنظر في إسرائيل إلى محادثات جنيف بحذر شديد، وتؤكد تل أبيب أن أي اتفاق لا يضع قيوداً صارمة على البرنامج النووي الإيراني، ولا يتعامل مع ملف الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، أو نفوذ طهران الإقليمي، سيبقى ناقصاً. وقد رفعت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية مستوى الجاهزية تحسباً لاندلاع تصعيد عسكري مفاجئ.

في الوقت ذاته، تتابع الأسواق العالمية أي تطور قد يؤثر في أسعار النفط وسلاسل الإمداد، إذ إن أي اضطراب في منطقة الخليج أو شرق المتوسط قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة. وسياسياً، يشكل فشل الوصول لاتفاق محفزاً لإعادة تقسيم التحالفات الإقليمية وزيادة احتمالات الاحتكاك العسكري.

تحذيرات وإجلاء الرعايا

في هذا السياق، أصدرت عدة دول تحذيرات لرعاياها في إيران؛ حيث شددت الخارجية الأمريكية على ضرورة عدم السفر ومغادرة الموجودين هناك فور توفر وسائل آمنة. كما أصدرت المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وكندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية تنبيهات مماثلة، مُحذرة من مخاطر التوقيف أو التوترات السياسية.

في لبنان، قررت الخارجية الأمريكية إجلاء الدبلوماسيين غير الأساسيين وعائلاتهم، مع استمرار عمل السفارة بطاقمها من الصف الأول. كما طلبت أستراليا من أسر دبلوماسييها في إسرائيل ولبنان المغادرة، وعرضت خيار المغادرة الطوعية لأسر موظفيها في دولة الإمارات والأردن وقطر.

سباق مع المجهول

المشهد العام يعكس سباقاً بين مسار تفاوضي حساس، وآخر عسكري، ومسار دبلوماسي وقائي يتمثل في إجلاء الرعايا وتقليص البعثات. إن نجاح مفاوضات جنيف ولو بشكل جزئي قد يخفف من حدة التحذيرات والإجلاء، ويمنح المنطقة فرصة للتهدئة التدريجية، أما فشلها فقد يقود إلى انزلاق تصاعدي سريع، مع تبعات أمنية وسياسية واقتصادية قد تشمل المنطقة بأسرها.

وسط هذا المشهد، يقف الشرق الأوسط اليوم أمام اختبار حقيقي، هل يمكن احتواء الأزمة من خلال التفاوض الدبلوماسي، أم أن المرحلة المقبلة ستكون محكومة بميزان القوة والردع، مع محدودية الخيارات أمام الدول والمواطنين؟ 

بين الطاولة الدبلوماسية وطبول الردع، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستنتصر إرادة السياسة والبراغماتية على منطق القوة، أم أننا مقبلون على فصل جديد من عدم الاستقرار؟