في ذروة جدل سياسي داخل واشنطن بشأن مستقبل الوجود الأمريكي في القطب الشمالي، طُرح – في بعض الدوائر – خيار استخدام القوة لفرض السيطرة على غرينلاند، الإقليم التابع إداريًا لـمملكة الدنمارك. ورغم أن الخطاب العلني ركّز على اعتبارات الأمن القومي والمنافسة مع الصين وروسيا في المنطقة القطبية، فإن معطيات مالية-اقتصادية كانت، على الأرجح، أكثر حسماً في إعادة ضبط القرار.
القراءة السائدة تربط أي تراجع بالحفاظ على تماسك حلف حلف شمال الأطلسي، لكن خلف الكواليس برز عامل آخر: هشاشة التوازن المالي الأمريكي أمام ردّ أوروبي منسّق في أسواق الدين ورأس المال.
الوزن الأوروبي في الأسواق الأمريكية
تُظهر بيانات صادرة عن الاحتياطي الفيدرالي أن الحكومات الأوروبية ومستثمري القطاع الخاص في أوروبا يمتلكون نحو:
- 10.4 تريليون دولار (15.3%) من الأسهم الأمريكية
- 3.4 تريليون دولار (11%) من سندات الخزانة
- 2.9 تريليون دولار (11.6%) من سندات الشركات الأمريكية
هذه الحيازات ليست هامشية، بل تمثل أحد أعمدة استقرار أسواق المال الأمريكية. وفي بيئة تعاني أصلًا من عجز مالي مرتفع وضغوط تضخمية متقطعة، فإن أي توقف مفاجئ في إعادة شراء السندات أو إعادة تمويلها يمكن أن يرفع عوائد الدين بصورة حادة، ويدفع تكلفة الاقتراض الحكومي إلى مستويات ضاغطة.
الأسواق، بطبيعتها، تستبق المخاطر. ومجرد تداول سيناريو مواجهة مع حليف أوروبي كفيل بإعادة تسعير المخاطر السيادية الأمريكية.
“أداة مكافحة الإكراه”
في عام 2023، أقرّ الاتحاد الأوروبي ما يُعرف بـ”أداة مكافحة الإكراه”، وهي إطار قانوني يمنح بروكسل صلاحيات لاتخاذ إجراءات مضادة ضد دول تمارس ضغوطاً اقتصادية أو سياسية على دول أعضاء.
صُممت الأداة أساساً لمواجهة ضغوط صينية محتملة، لكنها من حيث المبدأ قابلة للتطبيق في أي نزاع اقتصادي كبير. والأهم أنها لا تُعطَّل بفيتو دولة عضو واحدة، ما يعزّز فعاليتها كأداة ردع جماعي.
تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التي لمّحت إلى إمكانية استخدام أدوات اقتصادية في حال التصعيد، فُهمت في واشنطن باعتبارها إشارة واضحة إلى أن الرد لن يكون عسكريًا، بل مالياً.
أسواق الدين
تقديرات متداولة تشير إلى أن حكومات الاتحاد الأوروبي، إلى جانب المملكة المتحدة وكندا، تمتلك ما بين 1.5 و2 تريليون دولار من سندات الخزانة الأمريكية، مع احتياجات إعادة تمويل سنوية ضخمة.
في ظل عجز مالي مرتفع، تعتمد الخزانة الأمريكية على طلب خارجي مستمر. أي تراجع أوروبي منسّق، ولو جزئي، في إعادة الاستثمار قد يؤدي إلى:
- ارتفاع حاد في عوائد السندات طويلة الأجل
- تراجع في أسواق الأسهم نتيجة إعادة تسعير المخاطر
- تشديد في شروط الائتمان للشركات
- ضغوط على الدولار في المدى المتوسط
هنا، يتجاوز الأمر مجرد “خلاف سياسي” ليصبح اختباراً لثقة المستثمرين في استقرار النظام المؤسسي الأمريكي.
القطاع الخاص
المخاطر لا تقتصر على الحكومات. فالمؤسسات المالية الأوروبية، من بنوك وصناديق تقاعد وتأمين وصناديق تحوّط، تمتلك حيازات تفوق بكثير الحيازات الحكومية، لا سيما في الأسهم وسندات الشركات. وأي موجة بيع واسعة قد تؤدي إلى انهيارات سعرية متسلسلة، ضغوط سيولة على المؤسسات المالية الأمريكية، وانتقال العدوى إلى قطاعات التكنولوجيا والطاقة والصناعات الدوائية.
وفي السيناريو الأسوأ، يمكن أن يتحول الانسحاب الأوروبي إلى صدمة نظامية تُذكّر بأزمة 2008، خصوصاً في ظل الترابط العميق بين أسواق المال عبر الأطلسي.
الناتو.. عقدٌ اقتصادي غير مكتوب
يتجاوز حلف شمال الأطلسي كونه تحالفاً عسكرياً؛ فهو أيضاً إطار ثقة سياسية-اقتصادية. وأي تحرك عسكري ضد أراضٍ تابعة لحليف أطلسي سيقوّض هذا الأساس، ويطرح سؤالاً وجودياً حول أمن الملكية الأجنبية داخل الولايات المتحدة.
الاستثمار الأجنبي لا يستند فقط إلى العوائد، بل إلى الثقة في سيادة القانون، واستقلال القضاء، واحترام العقود. إذا اهتز هذا التصور، فإن رأس المال يتحرك سريعاً.
الاقتصاد.. خط الدفاع الأول
القرار بعدم المضي في خيار القوة لم يكن، وفق هذه القراءة، تعبيراً عن ضبط جيوسياسي فحسب، بل استجابة مباشرة لاحتمال اضطراب اقتصادي واسع. التكامل المالي العابر للأطلسي تحوّل عملياً إلى آلية ردع غير عسكرية. فالعولمة المالية، التي كثيراً ما تُنتقد باعتبارها مصدراً للهشاشة، أظهرت هنا وجهاً آخر: قدرتها على فرض قيود صارمة على المغامرات الأحادية.
الدرس الأعمق أن القوة الصلبة، في عصر الترابط المالي، لم تعد تتحرك في فراغ. كلفة الصدام مع شركاء اقتصاديين رئيسيين قد تتجاوز بكثير أي مكسب جيوسياسي محتمل. وفي عالم تتشابك فيه الأسواق مع التحالفات، يصبح السؤال الاستراتيجي ليس “هل يمكن فرض السيطرة؟” بل “من سيدفع فاتورة زعزعة الثقة؟”.















