تواجه أوكرانيا واحدة من أكبر عمليات إعادة الإعمار في العصر الحديث، إذ تُقدَّر كلفة التعافي وإعادة البناء بنحو 588 مليار دولار خلال السنوات العشر المقبلة. ويعادل هذا الرقم نحو ثلاثة أضعاف ناتجها المحلي الإجمالي المتوقع لعام 2025، في وقت يدخل فيه الغزو الروسي واسع النطاق عامه الخامس، مع استمرار استهداف قطاعات حيوية مثل الإسكان والطاقة والنقل.
يُظهر التقييم المشترك المحدَّث للأضرار والاحتياجات السريعة (RDNA5)، الصادر عن حكومة أوكرانيا والبنك الدولي والمفوضية الأوروبية والأمم المتحدة، والذي يغطي الفترة الممتدة من فبراير/شباط 2022 حتى ديسمبر/كانون الأول 2025، أن الأضرار المباشرة الناجمة عن الحرب تجاوزت حتى الآن 195 مليار دولار. ويقارن هذا الرقم بنحو 176 مليار دولار في التقييم الصادر في فبراير من العام الماضي، ما يعكس اتساع نطاق الدمار وتسارع وتيرة الاستهداف، ولا سيما في البنية التحتية الحيوية.
وكان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، قد وصف الحرب بأنها “وصمة عار على ضميرنا الجماعي”، مجدداً دعوته إلى وقف فوري وكامل وغير مشروط لإطلاق النار كخطوة أولى نحو سلام دائم، ومحذراً من أن استمرار النزاع يمثل تهديداً للأمن الإقليمي والدولي.
القطاعات الأكثر تضرراً
يشير تقرير (RDNA5) إلى أن عملية إعادة الإعمار لا تقتصر على إصلاح الأضرار المادية، بل ترتبط أيضاً بمواءمة البنية الاقتصادية الأوكرانية مع المعايير الخضراء والرقمية الأوروبية، بما يعزز فرص الاندماج الكامل في السوق الأوروبية الموحدة.
تتوزع أعلى احتياجات الإعمار والتعافي على القطاعات التالية:
- النقل: 96 مليار دولار
تتصدر البنية التحتية للنقل قائمة الاحتياجات، بنحو 96 مليار دولار، بعد تصاعد الهجمات على السكك الحديدية والموانئ خلال العام الماضي، ما أدى إلى زيادة الاحتياجات بنسبة 24%.
- الطاقة: 91 مليار دولار
يحتاج قطاع الطاقة إلى نحو 91 مليار دولار، في ظل تكثيف الهجمات الروسية على منشآت التوليد والتوزيع، خاصة خلال فصل الشتاء حيث بلغت درجات الحرارة مستويات قياسية. وقد ارتفعت الأصول المتضررة أو المدمرة في هذا القطاع بنسبة تقارب 21% مقارنة بالتقييم السابق.
- الإسكان: 90 مليار دولار
تضرر أو دُمّر نحو 14% من إجمالي المساكن في البلاد، ما أثر على أكثر من ثلاثة ملايين أسرة، وتُقدّر احتياجات إعادة بناء قطاع الإسكان بنحو 90 مليار دولار.
كما يحتاج قطاعا التجارة والصناعة إلى 63 مليار دولار، فيما يتطلب قطاع الزراعة أكثر من 55 مليار دولار، في وقت لا تزال فيه الأراضي الزراعية، التي تمثل ركيزة الأمن الغذائي العالمي، عرضة للمخاطر.
ورغم التقدم في عمليات المسح وإزالة الألغام، فإن إدارة مخاطر المتفجرات وإزالة الأنقاض تتطلب ما يقارب 28 مليار دولار. في هذا الصدد، تُعد أوكرانيا من بين أكثر الدول تلوثاً بالألغام في العالم حالياً، ما يعقّد جهود العودة الآمنة للنازحين واستئناف النشاط الزراعي.
القطاع الخاص.. ركيزة التعافي المقبلة
يشدد التقرير على أن القطاع الخاص، الذي واجه اضطرابات غير مسبوقة، سيكون محورياً في عملية إعادة الإعمار. لكن استقطاب الاستثمارات المحلية والدولية يتطلب استمرار الإصلاحات، ولا سيما:
* تحسين بيئة الأعمال.
* تعزيز المنافسة.
* توسيع الوصول إلى التمويل.
* معالجة نقص العمالة.
* مواءمة الإنتاج مع معايير الاتحاد الأوروبي البيئية والرقمية
بدورها، أكدت مفوضة الاتحاد الأوروبي لشؤون التوسع، مارتا كوس، أن الاتحاد الأوروبي سيواصل لعب دور رئيسي في دعم إعادة الإعمار، عبر حشد الاستثمارات الخاصة وتشجيع الإصلاحات الهيكلية التي تقرّب أوكرانيا من العضوية الكاملة.
الإنسان في صلب التعافي
شدّد منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في أوكرانيا، ماتياس شماله، على أن رأس المال البشري هو الأصل الأكثر أهمية في البلاد. قائلاً: “أهم أصول أوكرانيا هو شعبها”. وأوضح أن عودة اللاجئين، وإعادة دمج المحاربين القدامى، وزيادة مشاركة النساء في سوق العمل، ستؤثر في التعافي الاقتصادي بقدر تدفقات رأس المال وإعادة بناء البنية التحتية، مؤكداً أن “التعافي يجب أن يكون متمحوراً حول الإنسان والمجتمع”. ويُقدّر عدد اللاجئين الأوكرانيين خارج البلاد بالملايين، فيما نزح ملايين آخرون داخلياً منذ اندلاع الحرب في فبراير 2022.
يشير التقرير إلى أن السلطات الأوكرانية، بدعم من شركائها الدوليين، اتخذت خطوات ملموسة لتلبية أولويات التعافي لعام 2026 بقيمة إجمالية تصل إلى 15 مليار دولار، من بينها:
* تمويل إعادة بناء المساكن المدمرة.
* تسريع إزالة الألغام.
* تنفيذ برامج دعم اقتصادي.
كما جرى بالفعل تلبية احتياجات ما لا يقل عن 20 مليار دولار منذ بداية الحرب، عبر إصلاحات عاجلة وأنشطة تعافٍ مبكر في قطاعات حيوية مثل الإسكان والطاقة والتعليم والنقل.
في هذا الإطار، قالت رئيسة الوزراء يوليا سفيريدينكو، إن الشعب الأوكراني أظهر مرونة لافتة رغم الهجمات غير المسبوقة على البنية التحتية للطاقة والمنازل خلال الشتاء، وبأن رواد الأعمال يواصلون العمل وأن البلاد “ما زالت قادرة على التعافي السريع والتطور”.
تحدي كبير للمجتمع الدولي
يمثل مبلغ التعافي وإعادة الإعمار الإجمالي لأوكرانيا، والبالغ 588 مليار دولار، تحدياً مالياً هائلاً للمجتمع الدولي، خاصة في ظل استمرار العمليات العسكرية وعدم وضوح أفق التسوية السياسية.
مع دخول الصراع المسلح عامه الخامس، تبقى كلفة التعافي مرشحة للارتفاع ما لم يتم التوصل إلى وقف شامل للقتال، في وقت تتشابك فيه الاعتبارات الاقتصادية مع الحسابات الجيوسياسية، ليظل مستقبل أوكرانيا مرهوناً بمسار الأزمة وقدرة المجتمع الدولي على حلها، وحشد الموارد اللازمة لإعادة بناء دولة أنهكتها الحرب.















