بقلم هشام نذير
بقلم هشام نذير

مقالات مشابهة

تقرير اقتصادي

تغييرات مرتقبة في قيادة الفيدرالي الأمريكي والمركزي الأوروبي.. هل يعود التشدد إلى قمة الهرم النقدي؟

بقلم هشام نذير
بقلم هشام نذير

مع تزايد المؤشرات على دخول الاقتصاد العالمي مرحلة انتعاش قوية قد تترافق مع مخاطر تضخمية تتصاعد التوقعات بإمكانية صعود قيادات أكثر ميلاً إلى التشدد في المؤسسات النقدية الكبرى. ويأتي ذلك في ظل احتمال شغور منصبي رئاسة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي خلال فترة زمنية متقاربة.

تتابع الأسواق هذا التطور بحذر، إذ إن أي تغيير في قمة هاتين المؤسستين قد يعيد تشكيل توجهات السياسة النقدية العالمية، في مرحلة تتسم بتوسع مالي ملحوظ، وزخم استثماري تقوده التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وارتفاع في الإنفاق الدفاعي.

ضغوط سياسية وترشيحات تميل إلى التشدد

خلال الأشهر الماضية، تصاعد الحديث عن مستقبل قيادة الاحتياطي الفيدرالي، لا سيما مع ترشيح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للخبير الاقتصادي وعضو مجلس المحافظين السابق كيفن وارش لتولي رئاسة البنك اعتباراً من مايو المقبل.

يُنظر إلى وارش على أنه أكثر ميلاً إلى التشدد مقارنة بأسماء أخرى مطروحة. ورغم إعلانه الاستعداد لدعم خفض الفائدة عند الضرورة، فإن مواقفه السابقة تعكس حساسية مرتفعة تجاه مخاطر التضخم، وتحفظاً على استخدام ميزانية البنك المركزي كأداة تحفيزية واسعة.

يأتي هذا النقاش في وقت يشهد فيه الاقتصاد الأمريكي دفعة مالية حكومية متأخرة، بالتزامن مع طفرة استثمارية في تقنيات الذكاء الاصطناعي، ما يعزز الطلب الكلي ويرفع احتمالات عودة الضغوط السعرية. وفي حال توليه المنصب، قد يواجه وارش تحدي تحقيق توازن بين احتواء التضخم والحفاظ على زخم النمو.

سيناريوهات مبكرة في أوروبا

في المقابل، يواجه البنك المركزي الأوروبي تكهنات بشأن مستقبل قيادته. فبينما لم يُعلن عن قرار رسمي، أفادت صحيفة “فاينانشال تايمز” بإمكانية مغادرة الرئيسة كريستين لاغارد منصبها في عام 2026، قبل انتهاء ولايتها في أكتوبر 2027. وفق التقرير، قد يرتبط هذا السيناريو بحسابات سياسية داخلية في فرنسا، ما يفتح الباب أمام إعادة ترتيب التوازنات التقليدية بين دول منطقة اليورو عند اختيار الرئيس المقبل.

اختيار رئيس البنك المركزي الأوروبي ظل تاريخياً خاضعاً لتفاهمات دقيقة بين العواصم الكبرى. وأي تغيير في هذه المعادلة قد يعكس تحولات أوسع في أولويات السياسة الاقتصادية داخل الاتحاد الأوروبي.

ألمانيا واستعادة الدور

رغم كونها أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي، لم تتولَّ ألمانيا رئاسة البنك المركزي الأوروبي منذ تأسيسه. ومع تعاقب رؤساء من فرنسا وإيطاليا وهولندا، برزت في برلين أصوات ترى أن الوقت مناسب لتولي المنصب.

محافظ البوندسبنك يواكيم ناغل ألمح إلى أن أعضاء مجلس الإدارة جميعهم مؤهلون لتولي الرئاسة، في إشارة فُهمت على أنها تعكس استعداداً ألمانياً لخوض المنافسة. ويُعرف ناغل بموقف حذر نسبياً من التضخم، مقارنة ببعض نظرائه.

ورغم أن رئيس البنك يملك صوتاً واحداً من أصل 21 في مجلس المحافظين، فإن تأثيره في توجيه النقاش وصياغة التوافق يظل محورياً.

إعادة تشكيل موازين المجلس

حتى في حال عدم وصول مرشح ألماني إلى الرئاسة، قد تميل تركيبة مجلس الإدارة نحو توجه أكثر تشدداً. من المتوقع أن يتولى بوريس فوجيتش منصب نائب الرئيس، ويُصنف ضمن التيار الحذر من التضخم. كما تنتهي ولاية كبير الاقتصاديين فيليب لين في مايو 2027، ما يفتح المجال لإعادة توزيع الأدوار داخل المجلس.

وتتداول الأوساط المالية أسماء أخرى، من بينها بابلو هيرنانديز دي كوس وكلاس نوت، في سياق بحث العواصم الأوروبية عن مرشح قادر على تحقيق توازن بين متطلبات الاستقرار السعري ودعم النمو.

بيئة اقتصادية أكثر سخونة

التحولات المحتملة في القيادة لا تنفصل عن تغير البيئة الاقتصادية. فالحكومات تتجه إلى سياسات مالية أكثر توسعاً، مدفوعة بمتطلبات الدفاع والتحول التكنولوجي وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد. حتى ألمانيا خففت من قيودها التقليدية على الاقتراض.

في الوقت ذاته، تقود الاستثمارات المكثفة في الذكاء الاصطناعي موجة طلب قوية من القطاع الخاص. ومع تراجع مخاوف الركود، يتقدم القلق من عودة التضخم إلى الواجهة.

هذا المشهد يدفع المستثمرين إلى إعادة تموضع محافظهم تحسباً لسياسات نقدية أقل ميلاً للتيسير وأكثر استعداداً للتحرك في حال تصاعد الضغوط السعرية.

مرحلة نقدية جديدة؟

تزامن احتمالات التغيير في واشنطن وفرانكفورت يضع النظام النقدي العالمي أمام لحظة اختبار. فإذا كانت المرحلة السابقة قد اتسمت بتيسير واسع لمواجهة الأزمات، فإن المرحلة المقبلة قد تتطلب حذراً أكبر للحفاظ على استقرار الأسعار دون خنق النمو.

لم تُحسم الأسماء بعد، لكن المؤشرات الحالية توحي بإمكانية حضور أقوى للتيار المتشدد في دوائر صنع القرار النقدي خلال السنوات المقبلة. والسؤال الذي سيحدد المسار هو: كيف يمكن موازنة نمو اقتصادي مدفوع بالاستثمار مع احتواء المخاطر التضخمية في آن واحد؟