تشهد الضفة الغربية تصعيداً قانونياً-إدارياً لافتاً مع استئناف الحكومة الإسرائيلية إجراءات تسجيل الأراضي في المنطقة (C)، الخاضعة لسيطرة إسرائيلية كاملة وفق اتفاق أوسلو. القرار أثار بيان إدانة مشتركاً في الأمم المتحدة وقّعت عليه 85 دولة ومنظمة دولية، اعتبر الخطوة أحادية الجانب وتمسّ بأسس التسوية السياسية.
بعيداً عن اللغة السياسية المتبادلة، يطرح التطور سؤالاً جوهرياً: هل نحن أمام إجراء إداري محدود، أم أمام آلية قانونية تُستخدم لإعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية والقانونية للضفة الغربية؟
المنطقة (C): مركز الثقل الجغرافي
تمثل المنطقة (C) نحو 60% من مساحة الضفة الغربية، وتضم معظم الموارد الطبيعية والأراضي المفتوحة والمواقع الاستراتيجية. استئناف تسجيل الأراضي – وهي عملية توقفت منذ عقود – يعني عملياً توثيق الملكيات ضمن منظومة قانونية إسرائيلية، ما قد يسهل إعلان مساحات واسعة “أراضي دولة”.
بحسب قراءات قانونية إسرائيلية وفلسطينية متباينة، فإن هذه الآلية قد تُستخدم لتثبيت وقائع ميدانية طويلة الأمد، لا سيما في المناطق المحيطة بالكتل الاستيطانية الكبرى.
بين القانون الدولي والوقائع الميدانية
تُصنّف غالبية المجتمع الدولي المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة منذ عام 1967 على أنها مخالفة للقانون الدولي الإنساني، استناداً إلى اتفاقية جنيف الرابعة. في المقابل، ترفض الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة هذا التوصيف، معتبرة أن الوضع القانوني للأراضي “متنازع عليه”.
الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، جدّد التأكيد على الموقف الأممي بأن التوسع الاستيطاني يقوّض فرص السلام. كما أعرب الاتحاد الأوروبي وعدد من الدول عن رفضهم لأي خطوات أحادية تُغيّر الوضع القائم.
بيان الدول الـ85 لم يكتفِ بالإدانة الرمزية، بل حذّر من تداعيات بعيدة المدى على حل الدولتين، داعياً إلى وقف الإجراءات فوراً.
ديناميات على الأرض: هدم وتقييد حركة
بالتوازي مع المسار الإداري، تتواصل عمليات هدم منشآت فلسطينية بدعوى البناء غير المرخص في المنطقة (C)، إضافة إلى مصادرة أراضٍ وتوسيع طرق التفافية تخدم المستوطنات.
هذه الإجراءات لا تُغيّر فقط المشهد العمراني، بل تؤثر على الترابط الجغرافي بين التجمعات الفلسطينية، ما ينعكس مباشرة على قابلية قيام كيان سياسي متصل جغرافياً.
تأتي الخطوة في سياق توتر أمني متصاعد في مدن شمال الضفة الغربية، ولا سيما جنين ونابلس، حيث تنفذ القوات الإسرائيلية عمليات أمنية متكررة. هذا التوازي بين التصعيد الميداني والإجراءات القانونية يعكس مقاربة مزدوجة: إدارة أمنية مكثفة، وإعادة ضبط قانوني طويل الأمد.
في المقابل، تواجه السلطة الفلسطينية تحديات داخلية تتعلق بتآكل الشرعية والانقسام السياسي، ما يضعف قدرتها على التأثير في المعادلة الميدانية.
بينما تتجه الأنظار إلى الضفة الغربية، يبقى قطاع غزة خاضعاً لترتيبات أمنية وإنسانية هشة، وسط محاولات دولية لدعم الاستقرار ومنع الانزلاق إلى مواجهة واسعة. الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يركزان على منع التصعيد الشامل، لكن الفجوة بين إدارة الأزمات قصيرة المدى ومعالجة جذور النزاع تظل قائمة.
سيناريوهات محتملة
- تثبيت الأمر الواقع:
استمرار التسجيل وتوسيع السيطرة الإدارية دون ردع دولي فعّال، ما يُراكم وقائع تجعل التراجع عنها أكثر صعوبة. - ضغط دبلوماسي متصاعد:
تحرك أوروبي-أممي أوسع قد يشمل أدوات سياسية أو اقتصادية محدودة لثني إسرائيل عن المضي قدماً. - انزلاق أمني:
تصاعد الاحتكاكات الميدانية وتحولها إلى موجة عنف أوسع، بما يعيد مركز الثقل من القانون إلى المواجهة الأمنية.
ما الذي يعنيه ذلك لحل الدولتين؟
إذا استمر المسار الحالي، فإن إعادة تشكيل الخريطة القانونية والديموغرافية في المنطقة (C) قد تجعل أي تسوية قائمة على حدود 1967 أكثر تعقيداً عملياً، حتى لو بقيت مرجعية سياسية معلنة.
في المقابل، يواجه المجتمع الدولي اختباراً يتعلق بقدرته على تحويل بيانات الإدانة إلى أدوات تأثير حقيقية. فالتوازن القائم حالياً يُظهر فجوة بين الإجماع الدبلوماسي والواقع الميداني.
إن استئناف تسجيل أراضي المنطقة (C) ليس مجرد إجراء تقني، بل خطوة ذات أبعاد قانونية وجيوسياسية بعيدة المدى. فهو يعكس صراعاً على تعريف الأرض، وعلى من يمتلك سلطة تسجيلها، ومن يملك شرعية تقرير مصيرها.
الضفة الغربية تقف عند مفترق طرق: إما استمرار إدارة النزاع عبر وقائع تدريجية، أو تحرك دولي يعيد الاعتبار لمرجعية القانون الدولي. وبين المسارين، يبقى المدنيون على الأرض هم الأكثر تأثراً بتحولات تُرسم فوق خرائط سياسية وقانونية معقدة.















