بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

تقرير اقتصادي

تأجيل الضربة الأمريكية على إيران يُربك الأسواق: النفط يتراجع والذهب يُسجل أدنى مستوياته في أشهر

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

في تطور مفاجئ خفف من حدة المخاوف الجيوسياسية، تراجعت أسعار النفط بشكل حاد، متأثرة بإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تأجيل أي ضربات عسكرية ضد محطات الطاقة الإيرانية لمدة خمسة أيام، وهو القرار الذي جاء قبل ساعات فقط من مهلة نهائية كانت تُنذر بتصعيد كبير في الصراع الدائر في الشرق الأوسط.

سجلت العقود الآجلة لخام برنت نحو 104 دولارات للبرميل بحلول الساعة 11:30 بتوقيت غرينتش، منخفضة بنسبة 7.2%، بعدما كانت قد هبطت خلال الجلسة بنحو 15% لتلامس أدنى مستوياتها عند 96 دولاراً للبرميل. كما تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 7.8% إلى 90.55 دولاراً، بعد أن فقد أكثر من 13% في وقت سابق من التداولات، مسجلاً قاعاً يومياً عند 85.28 دولاراً.

هذا التراجع يعكس استجابة فورية من الأسواق لخفض احتمالات التصعيد العسكري المباشر، رغم أن جذور الأزمة لا تزال قائمة، في ظل استمرار الحرب التي دخلت أسبوعها الرابع.

مُهلة أمريكية وتهديدات مُتبادلة

كان ترامب قد لوّح، في تصريحات سابقة السبت، بـ”تدمير” شبكة الطاقة الإيرانية ما لم تعمد طهران إلى إعادة فتح مضيق “هُرمز” بالكامل خلال 48 ساعة، مُحدداً مهلة نهائية مساء الاثنين. غير أن قراره بتأجيل الضربة العسكرية أعاد رسم توقعات الأسواق على المدى القصير.

في المقابل، لم تتأخر إيران في الرد، إذ هدد الحرس الثوري الإيراني باستهداف المحطات والمنشآت التي تُزود القواعد الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط بالطاقة، في حال تنفيذ أي هجوم أمريكي على البنية التحتية الإيرانية.

يُجسّد تراشق التهديدات هشاشة الوضع الأمني في المنطقة، ويؤكد أن التهدئة الحالية مُؤقتة، ما يُبقي الأسواق في حالة ترقب شديد لأي تطورات مفاجئة.

الذهب يفقد بريقه رغم تصاعد المخاطر

في مفارقة لافتة، لم يستفد الذهب، الذي يُعد تقليدياً ملاذاً آمناً في أوقات الأزمات، من تصاعد التوترات، بل واصل خسائره الحادة، مسجلاً أدنى مستوياته في أربعة أشهر. وتراجعت الأسعار في المعاملات الفورية بنسبة 6.3% ليصل إلى 4203 دولاراً للأونصة صباح الاثنين، بعد أن هبط في وقت سابق من الجلسة بأكثر من 8% إلى نحو 4098 دولار، وهو أدنى مستوى له منذ أواخر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

ويمتد هذا التراجع إلى أداء أسبوعي هو الأسوأ منذ عام 1983، حين فقد المعدن النفيس أكثر من 10% من قيمته الأسبوع الماضي، كما انخفض بنحو 25% مقارنة بذروته القياسية التي سجلها في يناير/كانون الثاني عند 5594.82 دولار للأونصة.

كما تراجعت العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم إبريل/نيسان بنسبة 8.1% إلى 4205 دولار، في إشارة إلى استمرار الضغوط على المعدن الأصفر في الأجل القريب.

لم تقتصر الخسائر على الذهب، إذ شهدت بقية المعادن النفيسة تراجعات حادة أيضاً. فقد انخفضت الفضة بنسبة 6.1% إلى 63.66 دولاراً للأوقية، بينما تراجع البلاتين بنسبة 6.4% إلى 1799.25 دولاراً، مسجلين أدنى مستوياتهما منذ منتصف ديسمبر/كانون الأول. كما هبط البلاديوم بنسبة 3.6% إلى 1352.75 دولاراً.

في الوقت ذاته، تعرضت الأسهم الآسيوية لضغوط بيعية، في ظل حالة عدم اليقين التي تهيمن على الأسواق العالمية، رغم بقاء أسعار النفط فوق مستوى 100 دولار للبرميل.

تضخم مرتفع وفائدة أعلى

يرجع هذا الأداء الضعيف للذهب إلى تحوّل في توقعات السياسة النقدية العالمية، حيث أدى ارتفاع أسعار النفط وتداعيات الحرب إلى زيادة المخاوف بشأن التضخم، ما عزز احتمالات رفع أسعار الفائدة بدلاً من خفضها.

في هذا السياق، قال تيم ووترر، كبير محللي السوق لدى “كيه.سي.إم تريد”، إن الأسواق انتقلت من توقعات التيسير النقدي إلى ترجيح تشديد السياسة النقدية، وهو ما يؤثر سلباً على الذهب باعتباره أصلاً لا يدر عائداً.

وتشير بيانات الأسواق، وفقاً لأداة “فيد ووتش” التابعة لـ”سي.إم.إي”، إلى أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي بات أكثر ميلاً لرفع أسعار الفائدة بحلول نهاية عام 2026، وهو تحول يعيد تشكيل تدفقات الاستثمار العالمية بعيداً عن الأصول غير المدرة للعائد.

تعكس التطورات الحالية معادلة اقتصادية معقدة، حيث يؤدي ارتفاع أسعار النفط، نتيجة اضطراب الإمدادات وإغلاق مضيق هرمز، إلى زيادة تكاليف النقل والتصنيع، ومن ثم تغذية الضغوط التضخمية.

الأسواق بين التهدئة المؤقتة ومخاطر التصعيد

في المحصلة، تعيش الأسواق العالمية حالة من التذبذب الحاد، مدفوعة بتوازن دقيق بين التهدئة المؤقتة التي وفرها قرار تأجيل الضربة الأمريكية، والمخاطر الكامنة لتصعيد جديد قد يعيد إشعال الأسعار بسرعة.

وبينما يترقب المستثمرون الخطوات المقبلة في الصراع، يبقى العامل الجيوسياسي هو المحرك الرئيسي للأسواق في المرحلة الحالية، مع استمرار حالة عدم اليقين التي تلقي بظلالها على النفط، الذهب، وسائر الأصول العالمية.