بقلم: كمال كروري
بقلم: كمال كروري

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

بين التنافس والهوية والنفوذ.. هل تنجح إفريقيا في إقناع جنرالات حرب السودان بوقف نزيف الرصاص؟

بقلم: كمال كروري
بقلم: كمال كروري

يتصاعد الجدل حول قدرة إفريقيا على لعب دور حاسم في إنهاء الحرب الدائرة في السودان منذ منتصف أبريل 2023، في ظل صراع مفتوح بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”، وتشابك إقليمي ودولي يجعل مسار التسوية أكثر تعقيداً.

شهدت قمة الاتحاد الإفريقي في أديس أبابا (15 فبراير) تأكيداً جديداً على استمرار تجميد عضوية السودان، وهو قرار اتُخذ عقب انقلاب أكتوبر 2021. كما عُقدت اجتماعات للمجموعة الخماسية الدولية على هامش القمة، في محاولة لتنسيق الجهود بين المسارات الأفريقية والدولية.

تزامن ذلك مع زيارتين لافتتين إلى أوغندا: الأولى لنائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار، والثانية لحميدتي، حيث التقيا الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني في عنتيبي. وتُقرأ هذه التحركات في سياق بحث الطرفين عن مظلات إقليمية، في ظل تعثر الحسم العسكري.

أرقام الكارثة

وفق تقديرات أممية وتقارير دولية، خلّفت الحرب أكثر من 150 ألف قتيل، وأدت إلى نزوح نحو 12 مليون شخص داخل السودان وخارجه، فيما يواجه أكثر من نصف السكان خطر انعدام الأمن الغذائي. هذه المؤشرات تضع الأزمة في صدارة أسوأ الكوارث الإنسانية عالميًا.

عملت قيادة الجيش على استعادة عضوية السودان في الاتحاد الإفريقي، لكنها اصطدمت بتمسك مجلس السلم والأمن بشرط العودة إلى المسار الدستوري. في المقابل، تسعى قوات الدعم السريع إلى توسيع الانفتاح على دول إفريقية ترى ضرورة تقليص نفوذ المؤسسة العسكرية.

يُشير الباحث رشيد عبدي إلى أن كينيا وإثيوبيا وأوغندا تميل إلى رؤية تختلف عن المقاربة المصرية ـ السعودية، معتبرة أن استمرار هيمنة الجيش قد يُكرّس نفوذ تيارات إسلامية. وخلال زيارته لأوغندا، صرّح حميدتي بدعمه لفكرة “العلمانية” باعتبارها مدخلاً لحل الأزمة، في تحول لافت عن مواقفه السابقة.

غير أن هذا التموضع لا يعني بالضرورة توافقاً إفريقياً على دعم الدعم السريع، بل قد يعكس رغبة في موازنة القوى ومنع احتكار السلطة من أي طرف.

حدود الدور الإفريقي

أطلق الاتحاد الإفريقي أربع مبادرات لوقف القتال، لكنها لم تحقق اختراقاً يُذكر. ووجّه مركز تشاتام هاوس في لندن انتقادات لما وصفه بدبلوماسية “متنازعة وغير عملية”، معتبراً أن غياب استراتيجية موحدة أضعف تأثير الاتحاد.

في المقابل، يرى محللون أن بيان مجلس السلم والأمن الأخير عكس مقاربة أكثر توازناً، مؤكداً رفض أي شرعية تُفرض بقوة السلاح، ودعمه للمسار الدولي المنسق مع الرباعية (الولايات المتحدة، الإمارات، السعودية، مصر).

وتبرز هنا المادة الرابعة من القانون التأسيسي للاتحاد، التي تتيح التدخل في حالات جرائم الحرب أو الإبادة الجماعية، غير أن تفعيلها يظل رهين توافق سياسي معقد داخل المنظمة.

الهوية والسياسة

لا ينفصل الحراك الإقليمي عن سؤال الهوية في السودان، وهو سؤال ظل حاضراً منذ الاستقلال. بعض المراقبين يرون أن أي تسوية تراعي تعددية الهوية والانتماء قد تُضعف التيارات الأيديولوجية المرتبطة بالإسلام السياسي داخل الجيش، وتفتح المجال أمام صيغة مدنية أوسع.

GWA

يمكن قراءة رمزية ظهور حميدتي بزي إفريقي تقليدي خلال زيارته لأوغندا باعتبارها رسالة انتماء إلى الفضاء الإفريقي، ومحاولة لإعادة تعريف موقع السودان خارج الاستقطاب العربي التقليدي.

دور إسرائيلي محتمل

تذهب الكاتبة صباح محمد الحسن إلى أن التقارب مع كمبالا قد يتقاطع مع مصالح إسرائيل والولايات المتحدة في إعادة تشكيل التحالفات بشرق إفريقيا. وتُعد أوغندا حليفاً تاريخياً لإسرائيل، وكانت قد استضافت لقاء البرهان مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عام 2020.

كما نقلت وكالة “رويترز” (24 أبريل 2023) عن وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك إيلي كوهين أن بلاده تحركت عبر قنوات مختلفة لدعم جهود وقف إطلاق النار، وسط تقارير عن عرض إسرائيلي لاستضافة لقاء مباشر بين البرهان وحميدتي.

بين الرغبة والقدرة

السؤال الجوهري لا يتعلق فقط برغبة إفريقيا في إنهاء الحرب، بل بقدرتها الفعلية على فرض تسوية على جنرالين يخوضان صراعاً وجودياً. فالتنافس على النفوذ، وتباين المقاربات الإقليمية، وتداخل المصالح الدولية، جميعها عوامل تجعل أي مبادرة إفريقية رهينة شبكة معقدة من الحسابات.

مع ذلك، فإن اتساع رقعة المأساة الإنسانية، وتنامي المخاوف من تفكك الدولة، قد يدفع الفاعلين الأفارقة إلى البحث عن صيغة أكثر حزماً، سواء عبر تنسيق أعمق مع المسار الدولي أو عبر تفعيل أدوات ضغط لم تُستخدم بعد.

في المحصلة، تقف إفريقيا أمام اختبار مزدوج: هل تكتفي بدور الوسيط الرمزي، أم تنتقل إلى موقع الفاعل القادر على فرض معادلة توقف نزيف الرصاص وتعيد السودان إلى مسار الدولة؟