بقلم: عزيز عزيز
بقلم: عزيز عزيز

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

انتخاب مُجتبى خامنئي مُرشداً أعلى لإيران يُشعل جدلاً واسعاً وانتقادات داخل الأوساط الدينية والسياسية حول “توريث” المنصب

بقلم: عزيز عزيز
بقلم: عزيز عزيز

أعلن مجلس خبراء القيادة في إيران، الإثنين، انتخاب مُجتبى خامنئي مرشداً أعلى جديداً للجمهورية الإسلامية خلفاً لوالده علي خامنئي الذي قُتل في اليوم الأول من الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، في خطوة تفتح مرحلة جديدة في هرم السلطة الإيرانية وسط تصعيد إقليمي غير مسبوق.

ظل اسم مُجتبى يتردد لسنوات بوصفه أحد أبرز المرشحين لخلافة والده نظراً لنفوذه داخل مؤسسات النظام، ورغم ذلك يُثير توليه منصب المرشد الأعلى في إيران نقاشاً واسعاً داخل الأوساط الدينية والسياسية، إذ تقوم أيديولوجية الجمهورية الإسلامية نظرياً على اختيار المرشد وفقاً لمكانته الدينية والسياسية، وليس عبر انتقال المنصب داخل العائلة.

أول انتقال للسلطة منذ 37 عاماً

يمثل القرار أول انتقال للسلطة في منصب المرشد الأعلى منذ 37 عاماً، بعدما ظل علي خامنئي في موقعه منذ عام 1989 عقب وفاة مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني. ويمنح الدستور الإيراني مجلس خبراء القيادة صلاحية اختيار المرشد الأعلى، وهو منصب يجمع بين السلطة الدينية والسياسية ويعد الأعلى في بنية النظام الإيراني.

بهذا الشأن، قال عضو مجلس خبراء القيادة أحمد علم الهدى: “إن المجلس أجرى تصويتاً لاختيار المرشد الجديد”، مؤكداً أن العملية انتهت إلى اختيار مُجتبى خامنئي لقيادة البلاد، فيما صدر بيان رسمي عن المجلس المؤلف من 88 عضواً أعلن فيه تعيينه “القائد الثالث للجمهورية الإسلامية” منذ قيامها عام 1979.

ودعا المجلس الإيرانيين إلى الحفاظ على الوحدة ومبايعة المرشد الجديد في هذه المرحلة الحساسة. في حين سارع الحرس الثوري إلى إعلان مبايعة المرشد الأعلى الجديد. وقال الحرس إنه “يدعم خيار مجلس خبراء القيادة ومستعد للطاعة الكاملة والتضحية بالذات لتحقيق الوصايا الالهية”.

رجل دين من مرتبة متوسطة

ولد مُجتبى في 8 سبتمبر/أيلول 1969 في مدينة مشهد شمال شرقي إيران، وهو الابن الثاني لعلي خامنئي وأحد أبنائه الستة. نشأ في بيئة سياسية ودينية تشكلت بعد قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، وخدم في صفوف الحرس الثوري شارك في الحرب العراقية-الإيرانية.

يحمل المرشد الأعلى المُنتخب رتبة “حجة الإسلام”، وهي مرتبة دينية متوسطة داخل التسلسل الحوزوي. ويتولى تدريس الفقه الشيعي في الحوزات الدينية بمدينة قم، التي تعد المركز الرئيسي للمؤسسة الدينية في إيران. التحق بالحوزة العلمية في قم عام 1999 لمواصلة دراساته الدينية، وهو مسار يعد متأخراً نسبياً مقارنة بالمسار التقليدي لطلاب العلوم الدينية في إيران.

ويرتبط مُجتبى خامنئي بعلاقات عائلية مع شخصيات بارزة في التيار المحافظ الإيراني، إذ تزوج من زهرة حداد، ابنة السياسي المحافظ غلام علي حداد عادل، الرئيس السابق للبرلمان الإيراني. كما ينتمي إلى عائلة دينية معروفة، إذ يعد شقيق رجل الدين مصطفى خامنئي، ومن أقاربه رجل الدين هادي خامنئي.

شخصية نافذة خلف الكواليس

يُعد مُجتبى خامنئي من أكثر الشخصيات غموضاً داخل النظام الإيراني، إذ حافظ طوال السنوات الماضية على حضور محدود في المجال العام، ولم يتولَّ أي منصب رسمي في الدولة. 

رغم هذا الغياب عن المناصب الحكومية، كان يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه أحد أبرز الشخصيات النافذة داخل الدائرة المقربة من والده، مع دور مؤثر في إدارة شبكات النفوذ السياسية والأمنية داخل النظام. كما عُرف بعلاقاته الوثيقة مع الحرس الثوري الإيراني، ما عزز حضوره داخل مراكز صنع القرار، خصوصاً بين التيار المحافظ المتشدد.

عقوبات أمريكية وتصريحات ترامب

في أول تعليق أمريكي بعد انتخابه، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: “اختيار مُجتبى خامنئي لخلافة والده في منصب المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي هو أمر غير مقبول، مشدداً على ضرورة أن يشارك بشكل شخصي في عملية اختيار الزعيم الإيراني القادم”. وأكد حاجة الإدارة الأميركية للمشاركة الشخصية في تقرير مستقبل القيادة في طهران.

وأقر ترامب بأن مُجتبى خامنئي هو المرشح الأوفر ترجيحا لتولي المنصب، لكنه وصفه بأنه “شخص تافه”، معتبراً أن اختيار نجل المرشد يمثل مضيعة للوقت. وقال: “يجب أن أشارك في التعيين، تماما كما فعلنا في فنزويلا، سيحتاج إلى موافقتنا، وإذا لم يحصل عليها فلن يبقى طويلاً”.

هذا وكانت الولايات المتحدة قد فرضت عقوبات على مُجتبى عام 2019، معتبرة أنه يمثل المرشد الإيراني ويساهم في دعم سياسات طهران الإقليمية. وترددت أنباء عن سيطرته على قوات “الباسيج” خلال حملة القمع ضد المتظاهرين المناهضين للحكومة عام 2009.

مرحلة حساسة في تاريخ النظام الإيراني

يفتح انتخاب مُجتبى خامنئي مرشداً أعلى للجمهورية الإسلامية مرحلة حساسة في تاريخ النظام الإيراني، ليس فقط بسبب الظرف الإقليمي المضطرب، بل أيضاً نتيجة الجدل الداخلي الذي أثاره وصوله إلى المنصب. فبينما يرى مؤيدوه أن اختياره يعكس تماسك مؤسسات النظام واستمرارية بنيته السياسية، يعتبر منتقدون أن انتقال المنصب إلى نجل المرشد السابق يطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة آلية اختيار القيادة العليا في إيران ومستقبل التوازن بين الشرعية الدينية والسياسية داخل الجمهورية الإسلامية. 

في ظل هذه الانقسامات، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة القيادة الجديدة على تثبيت موقعها وإدارة التحديات الداخلية والخارجية التي تواجه البلاد. ويرى مراقبون أن طبيعة علاقاته داخل الحرس الثوري والتيار المحافظ قد تلعب دوراً حاسماً في تحديد اتجاهات السياسة الإيرانية خلال المرحلة المقبلة.