بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقتل المُرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية علي خامنئي، لا تبدو قراءة إرثه الإقليمي مكتملة من دون تفكيك الحلقة التي ربطت، أكثر من غيرها، بين الداخل والخارج في مشروعه النووي بوصفه “عقيدة حُكم”، لا مُجرد “ملف تقني”.
في عهد خامنئي، لم يُقدَّم التخصيب على أنه برنامج طاقة وحسب، ولا حتى على أنه ورقة تفاوض عابرة، بل تحوّل إلى لغة سيادية تقول إن إيران ليست دولة عادية تقبل سقفاً يضعه خصومها لقدرتها العلمية أو العسكرية أو الجيوسياسية. من هنا تحديداً خرجت الفكرة التي ستطبع عقود حكمه: كلما اشتد الضغط على المركز، وجب توسيع دوائر الردع خارجه، من أجهزة الطرد المركزي إلى الوكلاء، ومن المفاعلات إلى الممرات البحرية والحدود المفتوحة على أكثر من جبهة.
من “الحق النووي” إلى سيادة القرار
المدخل الأدق لفهم نظرة خامنئي إلى النووي هو أنه لم يتعامل معه كملف علمي مستقل، بل كجزء من تعريفه لمعنى الاستقلال الوطني. ففي خطاب رسمي في يونيو 2025 رفض ما سماه “التفسير الزائف” للاستقلال بوصفه عزلة، وقال إن الاستقلال يعني أن تقرر إيران “من دون انتظار الضوء الأخضر أو الخوف من الضوء الأحمر من أمريكا أو غيرها”، وربط هذا المعنى مباشرة بالملف النووي وبفكرة “نستطيع”.
بعدها بأيام قليلة نقلت “رويترز” عنه رفضه المطلق التخلي عن التخصيب، واعتباره ذلك “ضد مصالح البلاد 100%”. هذه اللغة تكشف أن التخصيب، في نظره، لم يكن مجرد أداة فنية، بل شعاراً سيادياً يختبر قدرة النظام على رفض الإملاء الخارجي.
لهذا السبب أيضاً لم يكن خامنئي مضطراً إلى الاختيار بين العقيدة والمرونة؛ لقد جمع بينهما. ففي 2013 تحدث رسمياً عن “المرونة البطولية”، موضحاً أن المرونة مطلوبة في بعض الميادين، لكن من دون نسيان “من هو الخصم”.
تحول استراتيجي.. قيود وضمانات
لم ينظر خامنئي إلى اتفاق 2015 النووي تحول استراتيجي نحو مصالحة مع الغرب، بل أقرّه برسالة مشروطة إلى الرئيس حسن روحاني تضمنت قيوداً وضمانات، ثم عاد في 2016 ليهدد بأن الجمهورية الإسلامية “ستحرق” الاتفاق إذا انتهكه الغرب. ولم يكن الاتفاق النووي عنده نهاية مشروع، بل استراحة تكتيكية داخل مشروع أطول.
من هنا يمكن استخلاص قراءة استراتيجية مهمة: خامنئي لم يحتج بالضرورة إلى قنبلة نووية معلنة كي يحقق المكاسب السياسية التي يريدها؛ ما احتاجه هو الاقتراب المنضبط من العتبة. وهذه قراءة استنتاجية، لكنها مدعومة بالوقائع: إيران واصلت التأكيد أن برنامجها سلمي، والوكالة الدولية للطاقة الذرية قالت إنها لا تملك مؤشراً ذا صدقية على وجود برنامج منسق لصنع سلاح نووي، لكنها شددت مراراً على أن تخصيب اليورانيوم إلى 60% يثير قلقاً جدياً، وأن إيران هي الدولة الوحيدة غير الحائزة سلاحاً نووياً التي تخصب إلى هذا المستوى. أي أن خامنئي حاول بناء قوة ردع غامضة: لا تعلن القنبلة، لكنها تجعل الآخرين يحسبون حساب اقترابها منها.
من أجهزة الطرد إلى “الدفاع الأمامي”
لم يكن الملف النووي وحده كافياً في نظر خامنئي لحماية النظام. فمنذ سنوات مبكرة، بُنيت حول إيران شبكة نفوذ عسكري وسياسي عُرفت لاحقاً باسم “محور المقاومة”، وتضم حزب الله في لبنان، وحماس، والحوثيين في اليمن، وجماعات شيعية مسلحة في العراق وسوريا، إلى جانب “سوريا الأسد”، بوصفها حلقة دولة داخل هذا المحور قبل سقوطه. محورٌ وُصف بأنه تحالف سياسي-عسكري بُنِي على مدى أربعة عقود لمواجهة النفوذ الأمريكي والإسرائيلي. هنا يلتقي النووي مع الوكلاء: الأول يرفع كلفة ضرب إيران مباشرة، والثاني يرفع كلفة تطويقها إقليمياً.

في هذا البناء، لم تكن “الأذرع” مجرد حلفاء أيديولوجيين، بل امتداداً جغرافياً لعقيدة الردع. حزب الله مثلاً، الذي تأسس على يد الحرس الثوري الإيراني عام 1982، لم يكن مجرد حركة صديقة في لبنان، بل مخزن ردع متقدماً على حدود إسرائيل. والحوثيون تحولوا لاحقاً إلى أداة ضغط على الملاحة في البحر الأحمر. أما الجماعات العراقية والسورية فشكّلت طبقة إضافية من الإنكار والمرونة يمكن تشغيلها أو تهدئتها بحسب الحاجة، بما يتيح لطهران المناورة بين التصعيد والاحتواء.
لذلك فإن خامنئي لم يفصل بين التخصيب وهذه الشبكات؛ كلاهما كان جزءاً من فلسفة واحدة تقول إن أمن إيران لا يُدافع عنه فقط عند حدودها، بل على خطوط أبعد.
هذا ما يفسر لماذا بدى البرنامج النووي، في ظل خامنئي، أقرب إلى مركز معنوي يدور حوله مشروع النفوذ كله. فكل تقدم في التخصيب كان يرفع منسوب الهيبة الداخلية ويعزز صورة “إيران التي لا تنحني”، فيما كان المحور الإقليمي يترجم هذا التقدم إلى نفوذ ميداني، من جنوب لبنان إلى البحر الأحمر. هكذا صار النووي في الداخل عنوان سيادة، وفي الخارج مظلة نفسية وسياسية لشبكات الردع. لم تعد المسألة سؤالاً تقنياً عن الوقود والطاقة، بل سؤالاً عن من يملك حق فرض حدود القوة في الشرق الأوسط. وهذا بالضبط هو المعنى الذي أراده خامنئي من الملف النووي.
اقتصاد العقوبات وتمويل النفوذ
لكن هذا التوسع لم يكن مجانياً. وقد أظهرت تقارير استخباراتية، أن الحرس الثوري وسّع سيطرته على صادرات النفط الإيرانية حتى بات يشرف على ما يصل إلى 50% من الأحجام المصدرة، ارتفاعاً من نحو 20% قبل ثلاث سنوات. ويرجح أن هذه السيطرة تتم عبر “أسطول ظل” وشركات واجهة وطرق تهريب معقدة، وأن العائدات تساعد في تأمين مليارات الدولارات لطهران وحلفائها الإقليميين.
كما كشفت التقارير عن شبكة تهريب لزيت الوقود في العراق يُعتقد أنها تدر ما لا يقل عن مليار دولار سنوياً لصالح إيران ووكلائها. هذا يعني أن “محور المقاومة” لم يكن مجرد فكرة سياسية أو عقائدية، بل كان مرتبطاً ببنية تمويل موازية نشأت داخل اقتصاد العقوبات نفسه.
من هنا تظهر مفارقة خامنئي الكبرى. فالرجل الذي بنى خطابه على مقاومة الهيمنة الغربية، وجد نفسه مضطراً إلى تطوير اقتصاد ظلّ يلتف على العقوبات ويعيد توزيع الموارد على الحرس والوكلاء. ومع الوقت، لم يعد البرنامج النووي منفصلاً عن هذا الاقتصاد الموازي، لأن العقوبات التي فرضها التخصيب والصدام مع الغرب أنتجت بدورها شبكات تهريب وتمويل أصبحت جزءاً من هيكل السلطة نفسه. بكلمات أخرى: خامنئي لم يخلق فقط سياسة خارجية هجومية، بل أوجد أيضاً سوقاً أمنية تتغذى من التوتر وتعيش عليه.
عندما بدأ المشروع يأكل مركزه
في سنواته الأخيرة، بدأت هذه المعادلة تظهر حدودها. الوكالة الدولية للطاقة الذرية قالت في مارس 2025 إن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب حتى 60% ارتفع إلى 275 كيلوغراماً، ثم قالت “رويترز” في مايو 2025 إن المخزون بلغ 408.6 كيلوغرام، وهو ما يكفي، إذا خُصّب أكثر، لتسعة أسلحة نووية، وفق مقياس الوكالة.
بحلول نوفمبر 2025، قُدّر امتلاك إيران 440.9 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب حتى 60%، وهي كمية تكفي، إذا رُفع تخصيبها، لما يصل إلى عشرة أسلحة نووية، فيما أظهرت تقارير لاحقة أن جزءاً مهماً من هذه المواد خُزن في مجمع أنفاق تحت الأرض في أصفهان. هذه الأرقام عظّمت قيمة الردع نظرياً، لكنها في الوقت نفسه رفعت مستوى الاستنفار الدولي حول إيران، وأعطت خصومها مبرراً إضافياً لتشديد الضغط عليها.
في الميدان الإقليمي، تزامن هذا التصاعد النووي مع تآكل المحور الذي أراده خامنئي سنداً استراتيجياً له. وقد أدى سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024 إلى “تحطيم” شبكة النفوذ الإيرانية في الشرق الأوسط، بينما وصفت الوكالة في يونيو 2025 كيف “تلاشى” جزء كبير من شبكة القوة الإيرانية مع إضعاف حماس وحزب الله بشدة، وبقاء الميليشيات العراقية والحوثيين فقط بوصفهم الأدوات الأكثر جاهزية.
حزب الله: دُرة تاج الرَّدع الإيرانية
حتى حزب الله، الذي كان لعقود دُرة التاج في منظومة الرَّدع الإيرانية، بات بعد حرب 2024 أضعف بكثير، في وقت لم تسارع الجماعة إلى فتح جبهة جديدة بعد الضربات على إيران في 2025. وهنا تتجلى المفارقة النهائية: الشبكات التي صُممت لردع الحرب لم تعد قادرة، بالقدر نفسه، على منعها.
هكذا تبدو الحالة من عصر خامنئي: النووي لم يكن مشروع تقنية، بل نظرية سلطة؛ والوكلاء لم يكونوا مجرد حلفاء، بل جغرافيا ردع؛ واقتصاد العقوبات لم يكن أثراً جانبياً، بل صار جزءاً من تمويل هذا المشروع.
لكن عندما تراكمت العقوبات، وارتفعت كلفة التخصيب، وضعفت الأذرع، بدأ البناء كله يفقد توازنه. عند تلك النقطة لم يعد السؤال: كيف يحمي النووي النظام؟ بل، إلى أي حد ساهمت هندسة الردع نفسها في دفع إيران إلى مزيد من العزلة والمواجهة؟















