أصدرت المحكمة العليا الأمريكية، الجمعة، حكماً يقضي برفض الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على سلع مستوردة بموجب قانون كان الهدف منه هو الاستخدام في حالات الطوارئ الوطنية، رافضة بذلك أحد أكثر ادعاءاته إثارة للجدل بشأن سلطته، في قرار سيكون له آثار كبيرة على الاقتصاد العالمي.
صدر الحكم عن المحكمة ذات الأغلبية المحافظة بستة أصوات مقابل ثلاثة، وجاء فيه أن قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية “لا يمنح الرئيس سلطة فرض الرسوم الجمركية”. يؤكد القرار استنتاجات سابقة توصلت إليها محاكم أدنى درجة، رأت أن الرسوم التي فرضها ترامب بموجب هذا القانون غير قانونية.
ردود الفعل المحلية والدولية
في أول رد فعل، وصف ترامب القرار بـ “المُخزي”، مؤكداً امتلاكه “خطة بديلة” للتعامل مع تداعيات الحكم. وكان الرئيس الأمريكي قد استخدم الرسوم الجمركية أداة رئيسية للمساومة في السياسة الاقتصادية والخارجية، بما في ذلك في الحرب التجارية التي شنها بعد بدء ولايته الرئاسية الثانية. وأدت تلك السياسات إلى توتر مع شركاء تجاريين، وأثرت في الأسواق المالية، وأسهمت في حالة من الضبابية الاقتصادية عالمياً.
توالت ردود الفعل الدولية على الحكم، إذ أعلن الاتحاد الأوروبي بأنه يقوم “بتحليله بدقة” ويتواصل مع الإدارة الأمريكية، بينما رأت كندا بأن قرار المحكمة يؤكد بأن رسوم ترامب “غير مبررة”. أما المملكة المتحدة، فأشارت إلى أنها ستتعاون مع واشنطن لبحث تداعيات الحكم.
العائدات ومصير 175 مليار دولار
أشارت تقديرات مكتب الموازنة في الكونغرس إلى أن كل الرسوم الجمركية الحالية، ومن بينها تلك المفروضة بموجب قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية، كانت ستدر نحو 300 مليار دولار سنوياً على مدى العقد القادم في حالة استمرارها.
لم تقدم إدارة ترامب بيانات عن تحصيل الرسوم الجمركية منذ 14 ديسمبر/كانون الثاني 2025. غير أن تقديرات خبراء في مبادرة “نموذج بن-وارتون” للموازنة خلصت إلى أن المبلغ الذي تم تحصيله استناداً إلى هذا القانون تجاوز 175 مليار دولار. ومن المرجح أن يُعاد هذا المبلغ بعد صدور حكم المحكمة العليا بعدم قانونية الرسوم المفروضة بموجبه.
بين سلطة الكونغرس والرئيس
يمنح الدستور الأمريكي الكونغرس، وليس الرئيس، سلطة فرض الضرائب والرسوم الجمركية. لكن ترامب لجأ إلى سلطة قانونية باستخدام قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية لفرض الرسوم الجمركية على كل شركاء الولايات المتحدة التجاريين تقريباً دون موافقة الكونغرس.
كما فرض ترامب بعض الرسوم الجمركية بموجب قوانين أخرى لا ترتبط بهذه الحالة. وبناء على بيانات حكومية عن الفترة من أكتوبر/تشرين الأول إلى منتصف ديسمبر/كانون الثاني من العام الماضي، تمثل هذه نحو ثلث إيرادات الرسوم التي فرضها الرئيس الأمريكي.
ويسمح قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية للرئيس بتنظيم التجارة في حالات الطوارئ الوطنية. وقد أصبح ترامب أول رئيس يستخدم هذا القانون في فرض رسوم جمركية، وهي واحدة من طرق عدة استخدمها منذ عودته إلى منصبه لتوسيع صلاحياته التنفيذية في مجالات متنوعة شملت حملته على المهاجرين وإقالة مسؤولين في وكالات اتحادية ونشر قوات عسكرية داخل الولايات المتحدة والقيام بعمليات عسكرية في الخارج.
هل من بدائل؟
بعد استماع المحكمة العليا إلى المرافعات في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، قال ترامب إنه سيدرس بدائل إذا صدر حكم ضده. وأضاف في تصريحات لصحفيين: “سيتعين علينا وضع خطة بديلة”.
وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت ومسؤولون آخرون، إن الإدارة ستستند إلى مبررات قانونية أخرى للإبقاء على أكبر قدر ممكن من الرسوم. ومن بين هذه المبررات بند قانوني يتيح فرض رسوم على السلع المستوردة التي تهدد الأمن القومي الأمريكي، وآخر يسمح باتخاذ إجراءات انتقامية ضد شركاء تجاريين يقرر مكتب الممثل التجاري الأمريكي أنهم طبقوا ممارسات غير عادلة ضد المصدرين الأمريكيين.
غير أن أياً من هذه البدائل لا يوفر المرونة التي أتاحها قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية، ما قد يحد من قدرة ترامب على إعادة فرض الرسوم بالنطاق نفسه وفي الإطار الزمني ذاته.
رأي الخبراء
قدّر مختبر “ييل” للميزانية أن متوسط تكلفة الاستهلاك سينخفض إلى النصف تقريباً في عام 2026، ليصل إلى ما بين 600 و800 دولار على المستهلكين، في حال أصدرت المحكمة العليا حكماً ضد ترامب.
كما قدّر مركز السياسات الضريبية أنه في حال أصدرت المحكمة العليا حكماً ضد تعريفات ترامب، ستنخفض الضرائب على الأسر بمقدار 1.4 تريليون دولار على مدى 10 سنوات، الأمر الذي يوفر ما متوسطه 1200 دولار في عام 2026 لكل أسرة.
مع ذلك، تفترض هذه التقديرات عدم استبدال الرسوم الجمركية. وكان مسؤولون في إدارة ترامب قد صرّحوا سابقاً بإمكانية فرض رسوم جديدة عبر مسارات قانونية مختلفة لتحقيق نتائج مشابهة.
نفوذ سياسي.. وتكلفة دبلوماسية
عززت قدرة ترامب على فرض رسوم فورية تحت غطاء حالة طوارئ وطنية من نفوذه في المفاوضات التجارية. ودفع ذلك بعض الدول إلى تسريع التواصل مع واشنطن سعياً إلى اتفاقيات تضمنت في بعض الحالات تعهدات باستثمارات بمليارات الدولارات أو تحسين شروط دخول الشركات الأمريكية إلى الأسواق.
لكن استخدام الرسوم أداة ضغط في السياسة الخارجية أثار توتراً مع عدد من الدول، بينها حلفاء تقليديون للولايات المتحدة.
تاريخياً، استُخدم قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية لفرض عقوبات أو تجميد أصول، لا لفرض رسوم جمركية، إذ لا ينص صراحة على هذا الإجراء. وكانت وزارة العدل في عهد ترامب قد رأت أن عبارة “تنظيم” الواردات تمنح الرئيس صلاحية فرض رسوم في حالات الطوارئ.















