تكشف التقارير الدولية عن أرقام صادمة حول تصاعد العنف المرتبط بالدين في إفريقيا خلال السنوات الأخيرة، في وقت لا تزال فيه القارة تقدم نماذج لافتة للتعايش بين المسلمين والمسيحيين حتى في أكثر مناطقها هشاشة. وبين هذين الوجهين المتناقضين، تبدو القارة السمراء اليوم إحدى أهم ساحات نشاط الجماعات المتطرفة في العالم.
وفق تقديرات المرصد العالمي للصراعات والعنف “أسليد” والمركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية، قُتل نحو 180 ألف شخص في إفريقيا نتيجة أعمال العنف المرتبطة بالدين بين عامي 2016 و2025.
الجماعات الإسلامية المتطرفة في الصدارة
رغم وجود جماعات مسيحية متشددة مثل “جيش الرب” في أوغندا و”أنتي بلاكا” في جمهورية إفريقيا الوسطى، فإن التقارير تشير إلى أن أكثر من 98% من الهجمات خلال السنوات الأخيرة نفذتها جماعات إسلامية متطرفة، من بينها “بوكو حرام” في نيجيريا، إضافة إلى تنظيمات مرتبطة بـ”داعش” و”القاعدة” تنشط في دول الساحل ومنطقة بحيرة تشاد والقرن الإفريقي.
ومع تراجع نفوذ هذه التنظيمات في الشرق الأوسط بعد الحروب في سوريا والعراق، اتجهت أنظارها بشكل متزايد إلى إفريقيا، حيث وجدت بيئة مواتية لنشاطها في ظل هشاشة مؤسسات الدولة واتساع المساحات الخارجة عن السيطرة الأمنية.
تشير “قائمة المراقبة العالمية 2026” الصادرة عن منظمة “أبواب مفتوحة”، المعنية برصد أوضاع المسيحيين المضطهدين حول العالم، إلى أن 17 دولة إفريقية تقع ضمن أكثر 50 دولة خطورة على المسيحيين. وأسهمت عوامل عديدة بتحوّل أجزاء واسعة من القارة إلى بؤر تُغذي الإرهاب العالمي، أبرزها ضعف سلطة الدولة، وانتشار الفقر، والصراعات السياسية، وصعوبة ضبط الحدود في المناطق الصحراوية الشاسعة.
دوافع سياسية بعباءة دينية
رغم أن الجماعات المتطرفة ترفع شعارات دينية في خطابها وتبريرها لأعمال العنف، فإن العديد من الدراسات تشير إلى أن الدين غالباً ما يكون غطاءً لصراعات أعمق ذات طابع سياسي أو اقتصادي أو عرقي.
ففي السنوات الأخيرة تحولت مناطق واسعة من الساحل وغرب إفريقيا والقرن الإفريقي إلى مسارح مفتوحة لنشاط الجماعات المسلحة، مستفيدة من الفراغ الأمني وضعف مؤسسات الدولة.
في هذا السياق، يقول الباحث في الشؤون الإفريقية تيديو أومبالي، إن تصاعد العنف المرتبط بالدين في إفريقيا لا يمكن تفسيره بعامل ديني صرف. ففي معظم الحالات يرتبط ارتفاع معدلات العنف بعوامل أخرى مثل ضعف مؤسسات الدولة، والاضطرابات الأمنية، والفقر والبطالة”.
تعاني حكومات عدة في القارة من صعوبة فرض سيطرتها على كامل أراضيها، خصوصاً في المناطق الصحراوية والريفية النائية، ما يتيح للجماعات المسلحة التحرك بحرية كما يحدث في دول مثل مالي والصومال والكونغو الديمقراطية.
مواطن الانقلابات: أرض خصبة للتجنيد
كما أسهمت الانقلابات العسكرية التي شهدتها عدة دول إفريقية في السنوات الأخيرة في إضعاف الجيوش وأجهزة الأمن، الأمر الذي وفّر بيئة ملائمة لتوسع نشاط الجماعات المتطرفة. وتجد هذه التنظيمات بدورها أرضاً خصبة للتجنيد في المجتمعات التي تعاني من الفقر المزمن وارتفاع البطالة وضعف الخدمات الأساسية، حيث يسهل استقطاب آلاف الشباب المحبطين أو المهمشين.
وفي هذا الشأن، خلصت دراسة صادرة عن جامعة ميسوري الأمريكية، إلى أن فهم دور الدين في الصراعات الإفريقية يتطلب النظر إليه ضمن سياق أوسع يشمل فشل الحوكمة، واختلال سياسات الهوية، وضعف العلاقة بين الدولة والمجتمع.
تشير الدراسة إلى أن الدين، رغم بروزه كرمز للهوية في كثير من الصراعات، نادراً ما يكون السبب الوحيد للعنف، إذ يتقاطع مع عوامل أخرى مثل التهميش السياسي والإقصاء الاقتصادي والمظالم التاريخية.
الدين ليس العامل الوحيد
بحسب بيانات رسمية، يفوق عدد ضحايا هجمات الجماعات المتطرفة الإسلامية ضحايا الهجمات التي تنفذها جماعات مسيحية متشددة بنحو 90 مرة، إلا أن ذلك لا يعني أن العامل الديني وحده يفسر تصاعد الإرهاب في القارة.
يقول الصحفي والباحث جويلي إليماسي، إن الاصطفافات السياسية والعرقية غالباً ما تلعب دوراً أكثر حسماً في إشعال العنف من الدوافع الدينية. حتى بعض القادة المسيحيين في مناطق الصراع يرفضون تفسير موجات العنف باعتبارها صراعاً دينياً خالصاً.
في جنوب نيجيريا يؤكد القس أيدولي فليكس، أن الهجمات المسلحة تستهدف في كثير من الأحيان مسيحيين ومسلمين على حد سواء، وهو ما يظهر بوضوح في هويات الضحايا. ويشير إلى أن كثيراً من هذه الهجمات يحمل طابعاً إجرامياً، حيث يكون الهدف الأساسي هو النهب أو خطف المدنيين مقابل فدية.
بصيص أمل: نماذج للتعايش
يتصاعد العنف في دول مثل نيجيريا والسودان ودول الساحل وجمهورية إفريقيا الوسطى، لكن القارة لا تخلو من نماذج إيجابية للتعايش بين الأديان. وظهرت في عدة دول مبادرات للحوار والتعاون بين القيادات الدينية، من بينها تحالفات بين الأديان في أوغندا وجمهورية إفريقيا الوسطى، إضافة إلى دور بارز للكنائس في جهود الوساطة وبناء السلام في جنوب السودان. كما تمثل إثيوبيا نموذجاً تاريخياً لتعدد ديني طويل الأمد بين المسلمين والمسيحيين.
في أوغندا، أطلقت مجموعات مسيحية ومسلمة مبادرة سميت بمبادرة “السلام اللذيذ” بهدف خلق جو من التعايش بين المزارعين المحليين بمختلف معتقداتهم. وتنشط المبادرة في تنظيم فعاليات مشتركة خلال مواسم حصاد البن والشاي وسط أجواء من الوئام. أما في جمهورية إفريقيا الوسطى، التي شهدت واحدة من أعنف موجات الصراع بين تحالف “سيليكا” ذي الأغلبية المسلمة وميليشيات “أنتي بالاكا” المسيحية، بدأت تظهر في الأشهر الأخيرة مؤشرات على تحسن العلاقات بين المجتمعات الدينية.
يقول أوريليو غازيرا، المطران المساعد لكنيسة بانغاسو، إن “العلاقات بين المسيحيين والمسلمين شهدت تقدماً ملحوظاً”، مضيفاً: “لقد تعلم الجميع من دروس الماضي، وأصبحوا أكثر حرصاً على تجنب العودة إلى دائرة الصراع”.
بين سلاح التطرف وإرادة الدول والمجتمعات
رغم الأرقام القاتمة واتساع رقعة العنف في عدة بؤر إفريقية، لن يُحسم مستقبل القارة فقط بسلاح الجماعات المتطرفة، بل بقدرة الدول والمجتمعات على معالجة جذور الأزمات التي تغذي الصراعات، من فقر وتهميش وضعف الحوكمة.
وبينما تواصل التنظيمات المسلحة استغلال الهشاشة الأمنية لتوسيع نفوذها، تظل مبادرات الحوار والتعاون بين القيادات الدينية والمجتمعات المحلية مؤشراً على أن التعايش ما يزال ممكناً، وأن الدين في إفريقيا يمكن أن يكون جسراً للسلام بقدر ما استُخدم أحياناً ذريعة للصراع.















