بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

الشرق الأوسط

العراق في قلب المواجهة الإقليمية: الهجمات المُتصاعدة تفضح تعدد مراكز القرار وتُعمق أزمة السيادة

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

لم يعد العراق مجرد دولة تتأثر بصراعات المنطقة، بل تحوّل تدريجياً إلى إحدى ساحاتها النشطة. خلال أسابيع قليلة، انتقل التوتر الإقليمي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إلى الداخل العراقي بشكل مباشر، مع تصاعد الهجمات على أهداف دبلوماسية وعسكرية داخل بغداد وخارجها.

هذا التحول لا يمكن قراءته كحادث طارئ، بل كنتاج تراكمي لعوامل بنيوية، في مقدمتها هشاشة الدولة وتعدد مراكز القرار الأمني، ما جعل العراق بيئة قابلة لاستيعاب صراعات الآخرين.

ضعف الدولة وشرعية الحكومة

منذ سنوات، يعاني النظام السياسي العراقي من انسداد مزمن. البرلمان معطّل فعلياً بفعل التجاذبات، والحكومات المتعاقبة تعمل غالباً ضمن هامش محدود من الصلاحيات. هذا الواقع جعل من الصعب على الدولة فرض سيطرتها الأمنية على كامل الأراضي، وأتاح المجال لقوى عشائرية وميليشيات مسلحة للتغلغل في مفاصل الدولة، والاستفادة من الفراغ القانوني والسياسي للقيام بعمليات عسكرية أو سياسية من دون الرجوع إلى أي جهة رسمية.

إضافة إلى ذلك، فإن مؤسسات الدولة لم تستطع تطبيق برامج دمج الميليشيات المسلحة ضمن الجيش العراقي والقوات الرسمية، وهو مطلب دولي منذ سنوات. هذا الوضع ترك الساحة العراقية خاضعة لنفوذ ميليشيات غير حكومية، ما جعلها قادرة على تنفيذ عمليات عسكرية من دون الرجوع إلى الحكومة، وبالتالي تحويل العراق إلى ساحة مفتوحة للتجاذبات الإقليمية، حيث تُستغل العاصمة والمدن الكبرى كمنصة للصراع بين القوى الدولية والإقليمية.

هيمنة النفوذ الإيراني

منذ العام 2003، راكمت إيران نفوذها في العراق عبر دعم ميليشيات شيعية متعددة، أبرزها الحشد الشعبي وفصائل متفرعة عنه، والتي تتمتع بقدرة على اتخاذ قرارات مستقلة عن الحكومة العراقية. بالطبع، لم تكتف هذه الفصائل بالدور المحلي، بل بدأت في بعض الأحيان بتنفيذ هجمات على المصالح الأمريكية والدولية كرد فعل على ضربات تتعرض لها إيران وأذرعها في أماكن أخرى من المنطقة.

شهدت الفترة الأخيرة تصاعداً كبيراً في الحرب الإقليمية، بعدما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حملة عسكرية واسعة على أهداف داخل إيران، التي ردت بهجمات متبادلة على قواعد أمريكية في الشرق الأوسط، ما خلق بيئة من المواجهة المفتوحة. ليصبح العراق، بضعف مؤسساته ونفوذ الميليشيات، ساحة مناسبة لتصفية الحسابات العسكرية، من دون تدخل حكومي رسمي مباشر.

تصعيد ميداني متعدد المستويات

شهدت العاصمة بغداد سلسلة من الهجمات المتكررة على السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء، شملت صواريخ وطائرات مسيرة، وأدت إلى أضرار مادية وحرائق داخل المجمع. الهجمات جاءت بعد استهداف قياديين من الفصائل الموالية لإيران في ضربات جوية قرب الحدود السورية، ما أثار غضب هذه الفصائل ودفعها للرد مباشرة على المصالح الأمريكية.

السفارة أصدرت تحذيرات متكررة لمواطنيها بعدم التنقل في شوارع بغداد، مشيرة إلى خطر الاختطاف والهجمات المسلحة المتكررة، ما يعكس حجم التوتر الذي تعيشه العاصمة.

هجمات واحتجاجات وانقسامات شعبية

لم تقتصر الهجمات على السفارة الأمريكية، بل شملت قواعد عسكرية أجنبية في مناطق مختلفة من العراق، بما في ذلك قاعدة إيطالية في كردستان، وأخرى فرنسية تعرضت لضرب بطائرات مسيرة. كما استهدفت الهجمات مواقع دبلوماسية ومرافق دولية أخرى في بغداد ومحيطها، بما في ذلك فنادق تضم بعثات دبلوماسية وموظفين دوليين، بما يعكس تصعيداً شاملاً وفتح جبهات متعددة في العاصمة العراقية.

في الوقت نفسه، شهدت بغداد احتجاجات كبيرة قرب المنطقة الخضراء ضد التدخلات الأمريكية والإسرائيلية، خصوصاً بعدما وصلت أنباء عن مقتل زعماء حلفاء إيران في الضربات الأخيرة. هذه الاحتجاجات أدت إلى صدامات بين المتظاهرين والقوات الأمنية، وكشفت عن انقسامات عميقة داخل المجتمع العراقي بين من يرى أن العراق لا يجب أن يكون طرفاً في حرب خارجية، ومن يعتبر الرد المسلح واجب مقاومة.

الحشد الشعبي وتفرعاته

تأسس الحشد الشعبي عام 2014 لمحاربة تنظيم “داعش”، لكنه سرعان ما تطور ليصبح شبكة من الميليشيات التي تتمتع بقدرة كبيرة على اتخاذ قرارات مستقلة. ويضم الحشد عشرات الفصائل السياسية والعسكرية ذات الولاءات المتباينة؛ منها ما يتوافق مع توجهات الدولة الرسمية، ومنها ما يحتفظ باستقلاليته عن بغداد، ومن أبرزها:

“كتائب حزب الله العراقي”

كتائب حزب الله العراقي تُعد من أهم الفصائل داخل شبكة الحشد، وهي وحدة ارتكاز بارزة في توجيه الهجمات ضد القوات الأمريكية والأجنبية. بالرغم من أنها جزء من الحشد، إلا أنها تتمتع بقدرات عسكرية مستقلة ونفوذ قوي، وتعتبر من الأكثر ارتباطاً بالتوجهات الإيرانية في المنطقة. هذه المجموعة نفذت هجمات متكررة على قواعد أمريكية داخل العراق وخارجه، ما جعلها أحد أبرز وجوه الصراع الراهن.

“حركة عصائب أهل الحق”

من أبرز الميليشيات الشيعية المعارضة للوجود الأمريكي منذ احتلال العراق عام 2003. تطورت الحركة لتصبح عنصراً فاعلاً في الحشد الشعبي، وشاركت في معارك ضد “داعش” بجانب القوات الحكومية. تتميز الحركة بقدرات قتالية عالية وعلاقات قوية مع فصائل أخرى، وتستفيد من الفوضى الأمنية لتوسيع نفوذها.

“حركة حزب الله النُجَباء”

فصيل مسلح شيعي آخر ضمن شبكة الحشد الشعبي، وتُعرف بعلاقاتها الوثيقة مع حزب الله اللبناني وبالتبعية السياسية لإيران. تعمل الحركة في مناطق متعددة داخل العراق، وتشمل أنشطتها عمليات عسكرية في سوريا أيضاً. تستهدف عادة القوات الأجنبية في العراق وإسرائيل، وتمثل امتداداً لطموحات إقليمية أوسع تشمل تأمين نفوذ إيران.

لواء “الشبك” (اللواء 30 في الحشد الشعبي)

يمثل “لواء الشبك” جماعة مسلحة شيعية تعمل في مناطق سهل نينوى ضمن الحشد الشعبي. تم تشكيلها لمحاربة “داعش”، وتتمركز في مناطق الأغلبية الشبكية. وعلى الرغم من صغر حجمها مقارنة بالفصائل الكبرى، إلا أنها جزء لا يتجزأ من قدرة الحشد على التحرك في محافظات متعددة.

جماعة “الثوريون”

تُعد “جماعة الثوريون” مثالاً على الفصائل الجديدة التي ظهرت في السنوات الأخيرة، وهي حركة مسلحة تعمل في العراق وسوريا ضمن إطار الحشد الشعبي وتحالف المقاومة الإسلامية. نفذت الجماعة هجمات على قواعد أمريكية وسورية، لتثبت كيف تتداخل بعض الفصائل العراقية في النزاعات الإقليمية الأوسع.

إلى جانب أدوارها العسكرية، أصبحت الفصائل المسلحة جزءاً من المشهد السياسي والاقتصادي في العراق. فهي تشارك في الانتخابات ولها ممثلون سياسيون في البرلمان، ما منحها شرعية سياسية إلى جانب قوتها العسكرية. قدرتها على التأثير في التعيينات والإدارة العامة من خلال نفوذها داخل الدولة يزيد من قوتها في تشكيل السياسات والأولويات الأمنية. تمويل الدولة لهذه الميليشيات، كما هو الحال في الحشد الشعبي، يجعلها قوة اقتصادية أيضاً خارج إطار الحكومة الرسمية.

جدل الدمج ونزع السلاح

تشهد الساحة السياسية العراقية نقاشات مستمرة بشأن مشروع قانون لدمج فصائل الحشد الشعبي بالكامل في المؤسسة العسكرية ووضع سلاحها تحت قيادة الدولة. يحظى هذا المقترح ببعض الدعم من الكتل السياسية العراقية، لكنه يواجه معارضة قوية من قيادات الفصائل نفسها، التي ترفض التخلي عن سلاحها أو وضعه تحت رقابة الدولة دون ضمانات.

في السنوات الأخيرة، أصبح واضحاً أن الميليشيات المسلحة باتت لاعباً فاعلاً في النزاعات الإقليمية. على الرغم من أن بعضها نشأ لمحاربة “داعش”، إلا أن حركتها وتوسعها جعلها قوة مستقلة يمكن أن تتخذ قرارات عسكرية خارج نطاق الحكومة المركزية في بغداد.

تدخلاتها المتكررة في الهجمات على قواعد أجنبية، وفي استخدام القوة ضد أهداف عسكرية أمريكية ودولية في العراق، يعكس مدى تأثيرها في رسم معالم الأزمة الراهنة. هذه الميليشيات جزء من ما يُعرف بمحور المقاومة الذي يضم قوى مسلحة في المنطقة تسعى لمواجهة النفوذ الأمريكي والإسرائيلي.

تحديات الأمن والسيادة 

الفصائل المسلحة في العراق تمثل واقعاً عسيراً يتجاوز كونه تحدياً أمنياً محلياً إلى كونه عنصراً فاعلاً في أزمات إقليمية أوسع. تنوع الفصائل واختلاف ولاءاتها وتداخلها في السياسة والاقتصاد جعل من دمجها في الدولة العراقية مهمة معقدة وصعبة. فبينما تسعى الحكومة العراقية لإخضاع السلاح لسيادتها، لا تزال هذه الفصائل تحتفظ بقدرات سياسية وعسكرية تجعلها جزءاً لا يمكن تجاهله في مستقبل العراق السياسي وأمنه القومي.

ما يحدث في العراق اليوم ليس مجرد تصعيد أمني، بل تعبيرٌ عن خلل عميق في بنية الدولة. وبين نفوذ خارجي متجذر، وتعدد فاعلين مسلحين، وانقسام داخلي مستمر، يجد العراق نفسه في موقع الوسيط القسري لصراعات لا يملك أدوات ضبطها.

السؤال لم يعد إن كان العراق ساحة صراع، بل: هل تملك بغداد القدرة المؤسسية والسياسية لاستعادة احتكار القرار الأمني، أم أن منطق “الساحات المفتوحة” سيبقى هو القاعدة؟ في ظل المعطيات الحالية، تبدو السيادة هدفاً مؤجلاً أكثر منها واقعاً قائماً.