تتجه الأزمة الأمنية في العراق نحو مرحلة أكثر تعقيداً مع تصاعد نشاط الفصائل المُسلحة المدعومة من إيران وتزايد الضربات العسكرية التي تستهدف مواقعها. وبين هذين العاملين تقف الحكومة العراقية في موقع شديد الحساسية، محاولة احتواء التوتر ومنع تحول البلاد إلى ساحة مواجهة إقليمية مفتوحة.
خلال الأيام الأخيرة شهدت مناطق عراقية عدة تصعيداً عسكرياً واضحاً، تمثل في هجمات على قواعد عسكرية أمريكية من جهة، وضربات جوية استهدفت مقرات تابعة للحشد الشعبي من جهة أخرى. ويعكس هذا التصعيد حجم التوتر المتزايد في المنطقة واحتمال انتقال الصراع بين القوى الإقليمية والدولية إلى داخل الأراضي العراقية.
ولاء يتجاوز سلطة الدولة
تواجه الدولة العراقية تحدياً متصاعداً يتمثل في طبيعة العلاقة بين بعض الفصائل المسلحة وإيران. فهذه الجماعات ترتبط بطهران بعلاقات عقائدية وسياسية تجعل قراراتها في كثير من الأحيان، مرتبطة بتوجيهات تأتي من خارج العراق.
لا يقتصر هذا الارتباط على البعد السياسي، بل يمتد إلى البنية التنظيمية والعسكرية لتلك الفصائل، ما يضعف قدرة الدولة على فرض سلطتها الكاملة على المشهد الأمني.
ومع تصاعد التوترات الإقليمية، يخلق الواقع الجديد أزمة مباشرة للحكومة العراقية التي تجد نفسها مضطرة للتعامل مع قوى مسلحة تمتلك نفوذاً واسعاً على الأرض.
توتر بين الأجهزة الرسمية والفصائل
ظهرت في الأسابيع الأخيرة مؤشرات واضحة على تصاعد المناوشات بين الأجهزة الأمنية العراقية وبعض الفصائل المسلحة. ومن أبرز هذه المؤشرات محاصرة جهاز مكافحة الإرهاب مقراً تابعاً للحشد الشعبي في منطقة التاجيات شمال بغداد.
قد عكس هذا التطور مستوى غير مسبوق من التوتر بين المؤسسات الأمنية الرسمية وبعض التشكيلات المسلحة، وسط مخاوف من احتمال وقوع صدام مباشر بين الطرفين إذا استمر التصعيد.
لم يقتصر التصعيد الأمني على مناطق محددة، بل امتد خلال الأيام العشرة الماضية إلى نطاق واسع داخل العراق. فقد طالت الهجمات العاصمة بغداد وإقليم كردستان، واستهدفت مواقع متعددة، من بينها منشآت حيوية كمصافي النفط، ومقرات دبلوماسية، إضافة إلى فنادق أهلية، ما يعكس اتساع نطاق التوتر وانتقاله من المناطق العسكرية إلى المدن.
كشف هذا التطور عن ضعف قدرة الحكومة على كبح تحركات هذه الفصائل أو منع استخدام الأراضي العراقية في الصراع الإقليمي الدائر.
ضربات أمريكية تتوسع
في ظل هذا التصعيد، كثفت الولايات المتحدة ضرباتها الجوية ضد مواقع تابعة للحشد الشعبي في محافظات عراقية عدة، من سهل نينوى والموصل شمالاً إلى صلاح الدين وديالى وكركوك.
وشهدت محافظة الأنبار غرب العراق واحدة من أعنف موجات القصف، حيث شنت طائرات حربية أمريكية سلسلة غارات استهدفت ثلاثة مقرات للحشد في قضاء القائم الحدودي. وأفادت مصادر أمنية بأن هذه الغارات أسفرت عن مقتل نحو ثلاثين شخصاً وإصابة عشرات آخرين، إضافة إلى تدمير كامل للمواقع المستهدفة.
وفي تطور متزامن، تعرض مقر آخر للحشد الشعبي في مدينة كركوك لضربة جوية أدت إلى مقتل عنصرين على الأقل، واندلاع حريق كبير في الموقع. وتشير التقارير إلى أن عدد قتلى الفصائل المسلحة منذ بداية موجة التصعيد الأخيرة تجاوز العشرات، ما يعكس حجم المواجهة العسكرية التي باتت الساحة العراقية مسرحاً لها.
موقف الحكومة العراقية
في خضم هذا التصعيد، يجد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني نفسه أمام معادلة سياسية معقدة. فالحكومة تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين علاقاتها مع الولايات المتحدة من جهة، ومع إيران والقوى القريبة منها داخل العراق من جهة ثانية.
وندد السوداني بالهجمات التي استهدفت تلك المواقع، وعدها خرقاً للسيادة العراقية، واستهدافاً لقوات أمنية رسمية. كما وصفت قيادة العمليات المشتركة العراقية القصف الذي طال مقار الحشد الشعبي بأنه اعتداء مباشر على القوات الأمنية العراقية التي تؤدي مهامها في حماية البلاد. لكن هذه المواقف السياسية لم تنجح حتى الآن في وقف التصعيد أو منع تكرار الضربات العسكرية.
بعيداً عن الحسابات السياسية والعسكرية، يعيش المواطن العراقي حالة متزايدة من القلق مع اتساع رقعة التوتر. وتبرز هذه المخاوف بشكل خاص في المحافظات التي عانت سابقاً من الإرهاب، مثل نينوى. فبعد سنوات من المعارك ضد تنظيم الدولة الإسلامية، يجد السكان أنفسهم مرة أخرى وسط صراع جديد قد يعيدهم إلى المربع الأول من عدم الاستقرار.
كما أن استخدام بعض المناطق لإطلاق الصواريخ باتجاه أهداف مختلفة، مثل مطار أربيل والقنصلية الأمريكية، يزيد من مخاوف السكان من تحول مدنهم إلى ساحات مواجهة.
مخاوف من فوضى أوسع
يحذر كثير من المراقبين من أن استمرار هذا الوضع قد يدفع العراق نحو فوضى أمنية أوسع. ومع تصاعد استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، تبرز مخاوف من أن يؤدي أي تدهور إضافي في الوضع الأمني إلى استهداف السجون التي تضم آلاف المعتقلين من قيادات وعناصر التنظيمات المتطرفة، ما قد يفتح الباب أمام عودة تلك الجماعات إلى النشاط.
في ظل هذه التطورات، يواجه العراق خطر التحول إلى ساحة مواجهة مفتوحة في الصراع الإقليمي، وهو سيناريو قد تكون له تداعيات خطيرة على أمن المنطقة بأكملها.















