بقلم: كمال كروري
بقلم: كمال كروري

مقالات مشابهة

اضطهاد ديني (6-8)

​الصومال: إرهاب “الشباب” يفتك بالمسلمين.. قيود اجتماعية وأمنية تُجبر الأقلية المسيحية على “التخفي”

بقلم: كمال كروري
بقلم: كمال كروري

تتواصل هجمات حركة حركة الشباب في الصومال بوتيرة مرتفعة، موقعـةً آلاف الضحايا، معظمهم من المسلمين. في المقابل، تعيش الأقلية المسيحية –التي يُقدَّر عددها بأقل من 3 آلاف شخص في بلد يتجاوز عدد سكانه 20 مليوناً– حالة تخفٍّ شبه كامل، وتمارس شعائرها سراً في بيئة اجتماعية وأمنية شديدة الحساسية.

تمنع قيود مجتمعية وأمنية غير دستورية المسيحيين في الصومال من فتح الكنائس وتجبرهم على ممارسة طقوسهم الدينية سراً، لكن في نفس الوقت قُتل أكثر من 6 آلاف مسلم في هجمات إرهابية نفذتها حركة “الشباب” ومجموعات مرتبطة بها.

​وصنفت منظمة “أبواب مفتوحة” الصومال في المركز الثاني من بين الدول الأكثر خطورة وذات المستويات المرتفعة من الاضطهاد الديني، بما في ذلك المسيحيين والأقليات الدينية.

​فرض صارم للشريعة

يُفرض الإسلام السني كدين للدولة، وتتبنّى المناطق الواقعة تحت سيطرة “الشباب”، الشريعة الإسلامية بصرامة، ما يضع قيوداً صارمة على الجميع، بما فيهم المسلمون ومعتنقو الديانات الأخرى. ​وبينما تُعد حركة الشباب المحرك الرئيسي للعنف والاضطهاد الديني في البلاد، تبدو التوقعات المستقبلية أكثر تشاؤماً، خصوصاً في ظل سعي الحركة لقمع أي أفكار دينية أخرى بما فيها الإسلام المعتدل والذي يتبناه معظم الصوماليين.

تكشف التطورات الميدانية المتصاعدة، وعودة عمليات حركة الشباب منذ بدء العام الجاري، بعد توقف شبه كامل خلال الأشهر الأخيرة من العام 2025، طبيعة التعقيدات التي تفرضها الحرب على أنشطة الحركة الإرهابية، والتحديات الكبيرة التي تواجه قوات الأمن، كما تؤكد عدم قدرة الحكومة على كبح أنشطة الحركة حتى في المراكز الحضرية في عموم البلاد.

​الفوضى والأيديولوجية محرك أساسي

تحرك الفوضى والأيديولوجيات المتطرفة التي تقودها جماعات إرهابية مثل حركة الشباب، موجة العنف المستمرة في الصومال لأكثر من ثلاثة عقود. ​وتستفيد الحركة والمجموعات المتطرفة من الإخفاق في إنهاء حالة الانقسام والتمترس القبلي والسياسي داخل المؤسسات العسكرية والأمنية، ونفوذ الولاءات العشائرية.

​وفقاً لموسى شيخو، الباحث في شؤون القرن الإفريقي، فإن تزايد الأنشطة الإرهابية في الصومال يرتبط بحالة الاضطراب السياسي التي تعيشها البلاد منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، وليست لها علاقة مباشرة بمحاربة الوجود المسيحي الذي يعتبر ضئيلاً جداً مقارنة بعدد السكان.

​يؤكد شيخو بأن المتطرفين في الصومال يستهدفون الجميع، معتبراً أن الظاهرة هي امتداد لحالة اضطراب سياسي أوسع. ويقول: “إن العنف في الصومال لا يرتبط بمحاربة مجموعة دينية محددة، فالجميع ضحايا للهجمات المستمرة في البلاد”.

قتل عشوائي في بيئة مضطربة

استحوذت الصومال على أكثر من ربع إجمالي القتلى في أعمال إرهابية مارستها جماعات دينية على مستوى القارة، والذي بلغ نحو 25 ألفاً العام 2025، وفقاً لبيانات مؤشر النزاعات العالمي. وفي حين قُتل البعض في هجمات عشوائية استهدفت مناطق محددة داخل البلاد، تم إعدام عدد من الأفراد ميدانياً لاتهامهم بالردة أو لمخالفتهم عقيدة الحركة.

​من بين القتلى، هناك العشرات من أفراد جماعة أهل السنة والجماعة، وهي تنظيم صوفي يعارض بشدة توجهات حركة الشباب المتطرفة. وبعد اعتراضها على تصرفات حركة الشباب على خلفية قيامها بنبش مقابر رموز صوفية، وهدم مزارات خاصة بالحركة الصوفية في أكثر من مكان، تعرضت الجماعة لعدة هجمات دامية من قبل مسلحي الحركة.

وتتعرض الجماعة الصوفية أيضاً إلى عنف مفرط من الحكومة، حيث دخلت القوات الحكومية في عدة مواجهات معها في إقليم جلجدود بوسط البلاد مؤخراً. وتقوم أفكار التنظيم ومنهجيته على اعتماد المنهج الصوفي.

أقلية مسيحية وعبادة سرية

​لا توجد تشريعات تمنع إقامة الكنائس في الصومال، لكن القيود الاجتماعية والأمنية تمنع المسيحيين من الظهور العلني، وفقاً للناشط الحقوقي يوسف حسين. ​ويشير تقرير “أبواب مفتوحة” أيضاً إلى أن المتحولين للمسيحية يتعرضون لضغوط مجتمعية ورسمية قد تصل إلى عقوبة الإعدام.

​انخفض عدد المسيحيين بشكل كبير، من 8500 شخص عام 1950، إلى أقل من 3 آلاف في الوقت الحالي، حيث اضطر الكثيرون للهجرة بسبب موجات العنف والاضطهاد المستمرة. وتعود معظم أصول المسيحيين في الصومال إلى مجموعة البانتو العرقيَّة، وينتمون إلى الكنيسة الإنجيلية وكنيسة الناصري، وفقاً للموسوعة المسيحية العالمية.

​ورغم أنه لا توجد كنيسة مفتوحة عملياً على الأراضي الصومالية في الوقت الحالي، فأن الفاتيكان يعتبر الكنيسة الكاثوليكية الصومالية جزءاً من القيادة الروحية للبابا في روما.

إلى ذلك، ​يتعرض المسيحيون لمخاطر أمنية واجتماعية كبيرة، ومعاملة وحشية في بعض المناطق. وفي هذا السياق يوضح حسين: “أن تكون مسيحياً في الصومال هو أمر صعب للغاية.. الناس هنا ينظرون بقسوة لمعتنقي الديانات الأخرى.. قد تتعرض للقتل في بعض المناطق الريفية المتشددة إذا اكتشفوا أنك مسيحي أو تحولت للمسيحية”. ويضيف: “واقعياً ينظر الكثير من أفراد المجتمع الصومالي لمسألة اعتناق المسيحية على أنها أمر غير شرعي، وهو ما يجعل العدد القليل من المسيحيين يمارسون طقوسهم في السر، ويحرصون على عدم الكشف عن هويتهم الدينية”.

​اضطهاد باسم “الخلافة الرقمية”

تُسخر حركة الشباب الصومالية التكنولوجيا في ممارسة نوع من الاضطهاد الديني عبر شبكة الإنترنت، بحسب تقرير نشرته مبادرة “تكنولوجيا ضد الإرهاب” الممولة من الأمم المتحدة.

​وتستخدم كتائب إلكترونية تابعة للحركة الذكاء الاصطناعي لإنشاء المزيد من المحتوى المحرض للعنف والتشكيك في الفكر الديني المعتدل لجذب المزيد من الشباب لتبني أفكار متطرفة، وتبث رسائل تحرض أو تدعم أو تحثّ على ارتكاب أعمال إرهابية.

​تشير تقديرات مبادرة “تكنولوجيا ضد الإرهاب” المدعومة من الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب عبر الإنترنت، إلى أن الحركة أصبحت أكبر منتج منفرد للمواد الإرهابية الرقمية، إذ إنها مسؤولة عما يتراوح بين 20 إلى 25% من المحتوى الإرهابي الذي ترصده المبادرة.

الإنترنت وتفاقم التهديدات الدينية

كشف تقرير أصدره مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، بعد اجتماع عُقد في العاصمة الكينية نيروبي في أغسطس 2025، عن الاستخدام الواسع لحركة “الشباب” لشبكة الإنترنت في ممارسة الإرهاب والاضطهاد الديني. وأكد أن استخدام الحركة لشبكة الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي وألعاب الفيديو لأغراض إرهابية وبث رسائل تدعو لتطرف عنيف.

​وأشار التقرير إلى استخدام المتطرفين للمواد الصوتية والمرئية والصور المُولّدة بالذكاء الاصطناعي، والمصممة بهدف التلاعب بالتصورات أو إضعاف معنويات المجتمعات، مؤكدين أن الأدوات التوليدية قد تُفاقم التهديدات الدينية إذا لم تتعزز قدرة المجتمعات على الصمود. كما لاحظ التقرير تزايد استخدام منصات الألعاب الإلكترونية للتطرف والتجنيد في الإرهاب، واستخدام أسواق الإنترنت المظلم، “دارك ويب”، لبيع وشراء الأسلحة، ولأغراض إرهابية أخرى.

نستنتج مما سبق، أن حركة “الشباب” تعمل ​عبر مختلف تقنيات الإنترنت على تفخيخ عقول المتصفحين، ورصد بياناتهم، وتحديد هوياتهم الدينية والعرقية. ومن ثم إيصال رسائل مشوشة أو ترهيبية، وغرس أفكار متطرفة في المجتمع.