تتسع الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة أخرى، لتشمل أبعاداً إستراتيجية جديدة، كان أبرزها عودة الملف الكردي إلى صدارة الحسابات الإقليمية. مع تزايد الضربات الجوية والصاروخية، تبحث القوى المتصارعة عن أدوات ضغط إضافية على إيران، تشمل المناطق الكردية الُممتدة عبر العراق وإيران، والتي تُشكل تحدياً أمنياً وجغرافياً كبيراً للنظام الإيراني.
يُقدّر عدد الأكراد في الشرق الأوسط بين 25 و35 مليون نسمة، ويشكلون رابع أكبر مجموعة عرقية في المنطقة، إلا أنهم لم يحصلوا على دولة قومية مستقلة. في إيران وحدها، يبلغ عددهم نحو 8 إلى 10 ملايين نسمة، أي حوالي 10% من سكان البلاد البالغ عددهم 84 مليون نسمة، يتركزون في الشمال الغربي في مناطق جبلية وعرة تزيد من صعوبة السيطرة عليها في حال اندلاع أي عمليات داخلية أو حدودية.
الجماعات الكردية الإيرانية والتحركات الاستراتيجية
تعمل الجماعات الكردية الإيرانية المعارضة، المتمركزة في شمال العراق، على إعداد خطط لعبور الحدود إلى إيران في حال تسنى لهم ذلك، لكنها حتى الآن لم تنفذ أي عملية. تعتمد هذه الخطط على توفر الظروف الجوية الملائمة، وتدمير مخازن الأسلحة التابعة للنظام، لضمان عدم وقوع خسائر فادحة، خصوصاً أن معظم أسلحتهم محدودة، وبندقية الكلاشنيكوف هي الأكثر تطوراً لديهم، في حين يمتلك النظام الإيراني قوات ضخمة وأسلحة متقدمة.
تنسق تلك الجماعات تحركاتها ضمن تحالف سياسي وعسكري، لضمان عدم قيام أي طرف بالتحرك منفرداً. وتعتمد هذه الخطط على جمع المعلومات الاستخباراتية، وتقييم قدرات النظام الإيراني على الرد السريع، مع مراعاة الحفاظ على المدنيين ومنع وقوع أي مجازر.
ولا ننسى أن أي نشاط كردي داخل إيران قد يشجع الحركات القومية والإقليمية الأخرى على التعبير عن مطالبها، ما يزيد من تعقيد الحسابات السياسية والأمنية في المنطقة. وبذلك، يُنظر إلى الأكراد الإيرانيين على أنهم ورقة ضغط إستراتيجية مهمة يمكن أن تؤثر على توازن القوى داخل إيران وعلى مجريات الصراع الإقليمي إذا استُخدمت بحكمة.
الإقليم العراقي كقاعدة استراتيجية
يشكل إقليم كردستان العراق قاعدة استراتيجية مهمة لهذه الجماعات، إذ يمتلك الإقليم حكماً ذاتياً واسعاً وقوات منظمة يمكن أن تدعم العمليات لوجستياً وعسكرياً. يُذكر أن الحدود بين العراق وإيران تمتد بنحو 400 كيلومتر، وهي عبارة عن شريط جبلي وعر، ما يمنح الجماعات قدرة على الحركة السريعة والاختفاء عند الحاجة.
تاريخياً، اكتسب الأكراد، في تعاونهم مع القوى الدولية لمكافحة التنظيمات المسلحة، خبرة عسكرية زادت من قدرتهم على التخطيط للعمليات المعقدة المحتملة، مع الاعتماد على الدعم اللوجستي الخارجي من دون أن يتحول إلى تدخل مباشر.
التحضير للعملية البرية
تدرس الجماعات الكردية الإيرانية سيناريوهات متعددة للتدخل البري داخل إيران، لكن القرار النهائي يعتمد على عدة عوامل تشمل نجاح الضربات الجوية للتحالف، توافر الدعم اللوجستي، واستجابة القوات الإيرانية.
الهدف من أي عملية محتملة هو دعم الانتفاضات الداخلية وتسهيل تحركات المدنيين المعارضين، مع التركيز على الحد من الخسائر البشرية. وتشير التقديرات إلى أن الدور الاستراتيجي للورقة الكردية أكبر من دورها العسكري المباشر، إذ إن مجرد احتمال تحريكها يفرض على إيران إبقاء قوات كبيرة في المناطق الغربية، ما يخفف الضغط على جبهات أخرى ويستنزف موارد النظام.
الضغط الداخلي والدولي على النظام الإيراني
قد تؤدي أي عمليات كردية مسلحة إلى زيادة الضغط على النظام الإيراني، وإضعاف الجيش على الجبهات الداخلية، وتسهيل تحركات المعارضة المدنية. كما أن تحركات الجماعات الكردية قد تحفز حركات انفصالية أخرى، مثل البلوش في شرق إيران، ما يزيد من تعقيد الوضع الأمني والسياسي، ويؤثر على استقرار البلاد. وأي تدخل بري يحتاج إلى تنسيق لوجستي واستخباراتي كبير، لضمان قدرة الجماعات على التحرك، ما يجعل الدور الاستراتيجي للورقة الكردية أكثر أهمية من الدور العسكري المباشر.
تتسم مواقف دول الجوار تجاه الورقة الكردية بالحذر الشديد، فكل طرف يسعى للحفاظ على مصالحه دون الانزلاق في صراع إضافي. الحكومة العراقية تؤكد على عدم السماح باستخدام أراضيها كنقطة انطلاق لأي هجمات على إيران، حفاظاً على سيادتها واستقرارها الداخلي، في حين تعتبر تركيا أي تحرك كردي مسلح تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وهددت باتخاذ إجراءات صارمة ضد أي جماعات على حدودها.
إيران ترى أن أي تهديد من الأراضي العراقية سيُعتبر اعتداءً على أمنها القومي، وأنها ستتعامل بحزم مع أي تصعيد محتمل. على المستوى الدولي، تُؤكد القوى الكبرى استمرار التعاون مع الجماعات الكردية ضمن إطار محاربة التنظيمات المسلحة فقط، من دون الانخراط مباشرة ضد إيران، لتجنب تحويل المنطقة إلى مواجهة إقليمية واسعة.
استراتيجيات الحركة الكردية وحساباتها
تدرك القيادات الكردية أن أي انخراط مباشر في مواجهة واسعة قد يعرض مناطقهم لمخاطر كبيرة. لذلك يفضلون التحرك ضمن نطاق حذر، مع التركيز على الحفاظ على الاستقرار الداخلي، وحماية السكان المدنيين، مع الاستفادة من الفرص الاستراتيجية التي قد يوفرها الصراع الإقليمي لتعزيز مواقعهم السياسية والأمنية.
تجارب سابقة في المنطقة أظهرت أهمية الواقعية في اتخاذ القرارات، والاعتماد على التنسيق الكامل بين الجماعات وتقييم التوازنات العسكرية والسياسية قبل أي تحرك، لتجنب أي انزلاق نحو مواجهة مفتوحة قد تكون غير محسوبة النتائج.
السيناريوهات المستقبلية للأكراد الإيرانيين
يمكن أن تتراوح السيناريوهات المستقبلية بين التحركات الاستراتيجية المحدودة، التي تركز على الضغط النفسي والاستنزاف الجزئي للموارد الإيرانية، وبين عملية برية محتملة إذا توفرت الظروف العسكرية واللوجستية اللازمة.
ومن المرجح أن تبقى الورقة الكردية أداة ضغط حذرة، تدار بحكمة، بحيث لا تتحول إلى مواجهة واسعة قد تؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة ككل، إنما عنصراً يؤثر في توزيع القوى واستراتيجيات النظام الإيراني، من دون الانخراط المباشر في معارك واسعة.
على الرغم من محدودية قدرتها على التحول إلى جبهة قتال مباشرة، فإن تنامي النشاط الكردي المحتمل قد يعيد رسم الحسابات العسكرية والسياسية للنظام الإيراني وللأطراف الإقليمية والدولية المعنية، ويترك تأثيراً إستراتيجياً ملموساً على مجريات الصراع، كما يعكس أهمية الأبعاد الداخلية للقوة والتهديدات غير المباشرة في الحروب الحديثة.















