مع اتساع رقعة الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية من جهة، وإيران من جهة أخرى، انتقلت المواجهة من حدود الاشتباك المباشر إلى ساحات إقليمية حسّاسة، وفي مقدمتها دول مجلس التعاون الخليجي. لم يعد الخليج مجرد خلفية جغرافية للصراع، بل تحول إلى ساحة رسائل عسكرية واضحة، بعدما طالت الهجمات الصاروخية والمسيّرة عدداً من مدنه الكبرى، في تطور يعكس انتقال طهران من سياسة الردع غير المباشر إلى استراتيجية الضغط الإقليمي المفتوح.
في الحسابات الإيرانية، لا تُعد دول الخليج هدفاً بحدّ ذاتها بقدر ما تمثل امتداداً للنفوذ الأمريكي العسكري واللوجستي في المنطقة. القواعد العسكرية المنتشرة في السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت والبحرين تشكل، من منظور طهران، منصات دعم رئيسة للعمليات الأمريكية في أي مواجهة مباشرة. وعليه، فإن استهداف العمق الخليجي يُقرأ كجزء من معادلة أوسع مفادها أن أي حرب على إيران لن تبقى محصورة داخل حدودها.
تسعى إيران إلى نقل كلفة المواجهة إلى محيط خصومها، وتحديداً إلى الدول التي تستضيف البنية العسكرية الداعمة لواشنطن. وبهذا المعنى، فإن ضرب مدن خليجية أو منشآت حيوية فيها ليس فقط عملاً عسكرياً، بل رسالة سياسية موجهة إلى صناع القرار في تلك العواصم بأن الاصطفاف الكامل في المعركة قد يجعلها جزءاً مباشراً من ساحة النار.
المدن الخليجية تحت التهديد
شهدت السنوات الأخيرة، وخصوصاً مع تصاعد المواجهة الراهنة، تعرض عدد من المدن الخليجية لهجمات صاروخية أو بطائرات مسيّرة نُسبت مباشرة إلى إيران أو إلى أذرعها الإقليمية. فقد تعرضت منشآت في الرياض وجدة والدمام لهجمات استهدفت البنية التحتية النفطية والعسكرية. كما طالت هجمات مماثلة أبوظبي في الإمارات، في سابقة عكست انتقال الصراع إلى قلب المراكز الاقتصادية.
في قطر والبحرين، ظل التهديد قائماً بحكم وجود قواعد عسكرية أمريكية استراتيجية، ما جعل أي تصعيد إقليمي يضع هذه الدول في دائرة المخاطر المحتملة. أما الكويت، فقد واجهت بدورها تهديدات غير مباشرة مرتبطة بتموضعها الجغرافي وقربها من مسرح العمليات العراقي.
إضافة إلى ذلك، تبرز سلطنة عُمان بوصفها حالة خاصة؛ فهي لطالما لعبت دور الوسيط بين طهران وواشنطن، وحافظت على سياسة خارجية متوازنة. غير أن اتساع رقعة الحرب يضع حتى الدول التي تنتهج الحياد النسبي أمام تحديات أمنية متزايدة، سواء عبر تهديد الملاحة في مضيق هرمز أو عبر مخاطر الانزلاق غير المقصود إلى دائرة الاستهداف.
الخلفيات الأيديولوجية والسياسية
لا يمكن فهم استهداف الخليج بمعزل عن الخلفية الأيديولوجية للنظام الإيراني، الذي ينظر إلى الوجود العسكري الأمريكي في محيطه باعتباره امتداداً لمحاولات تطويقه. كما أن التنافس الجيوسياسي مع بعض العواصم الخليجية، خصوصاً في ملفات اليمن والعراق وسوريا ولبنان، راكم طبقات من عدم الثقة والعداء المتبادل.
في سياق الحرب الحالية مع إسرائيل والولايات المتحدة، ترى إيران أن الضغط على الخليج يحقق هدفين متوازيين: أولاً، توسيع مسرح العمليات بما يشتت القدرات العسكرية الأمريكية؛ وثانياً، خلق فجوة بين واشنطن وحلفائها الخليجيين عبر رفع كلفة التحالف الأمني. فكلما ارتفعت المخاطر الأمنية على المدن والمنشآت النفطية، زادت حساسية الرأي العام والأسواق، ما قد يدفع بعض العواصم إلى إعادة حساباتها.
ماذا تستفيد إيران؟
من الناحية الاستراتيجية، تراهن طهران على أن إدخال الخليج في معادلة الردع سيمنع خصومها من الذهاب بعيداً في الحرب. فهي ترسل رسالة واضحة مفادها أن أي استهداف مباشر لأراضيها أو لمنشآتها النووية والعسكرية سيقابله توسيع رقعة النار لتشمل منابع الطاقة العالمية وممرات الملاحة الحيوية.
اقتصادياً، يدرك صانع القرار الإيراني أن أي اضطراب في صادرات النفط الخليجية أو في أمن الملاحة عبر مضيق هرمز سيؤثر فوراً في الأسواق العالمية، ما يخلق ضغطاً دولياً لاحتواء التصعيد. وهنا توظف طهران ورقة الجغرافيا كعنصر قوة، مستفيدة من موقعها المشرف على أحد أهم الشرايين النفطية في العالم.
سياسياً، تحاول إيران تكريس صورة أنها لاعب إقليمي لا يمكن تجاوزه، وأن أمن الخليج لا ينفصل عن التفاهم معها. فبدلاً من أن تكون معزولة تحت وطأة العقوبات، تسعى إلى فرض معادلة مفادها أن تجاهل مصالحها سيجعل المنطقة بأسرها عرضة للاهتزاز.
التداعيات على أمن الخليج والمنطقة
غير أن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطر جسيمة. إن استهداف مدن كبرى مثل الرياض وأبوظبي والدوحة والمنامة يهدد الاستقرار الاقتصادي لدول تعتمد على الثقة الاستثمارية والانفتاح العالمي. كما أن تعرّض منشآت الطاقة لهجمات يعيد إلى الواجهة هشاشة البنية التحتية أمام الحروب غير المتكافئة.
أمنياً، يدفع التصعيد دول الخليج إلى تعزيز تعاونها الدفاعي، سواء في مجال أنظمة الدفاع الجوي أو تبادل المعلومات الاستخبارية. وقد يؤدي استمرار الهجمات إلى مزيد من الانخراط المباشر في التحالفات العسكرية، ما يفاقم منسوب الاستقطاب الإقليمي.
أما إقليمياً، فإن إدخال الخليج في قلب المواجهة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى يرفع احتمالات الحرب الشاملة. فكل ضربة تحمل في طياتها خطر سوء التقدير، وكل رد قد يفتح باباً لتصعيد يصعب احتواؤه.
بين الردع والانزلاق
لا يبدو استهداف إيران لدول مجلس التعاون خطوة معزولة، بل جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة. إنها محاولة لفرض معادلة ردع متعددة الساحات، تجعل أي هجوم عليها مكلفاً إقليمياً ودولياً. غير أن اللعب على حافة الهاوية في منطقة مكتظة بالقواعد العسكرية ومنشآت الطاقة قد يحول الرسائل التكتيكية إلى مواجهة مفتوحة.
الخليج اليوم ليس مجرد ساحة خلفية للحرب، بل خط تماس مباشر في صراع يتجاوز حدوده الجغرافية. وبين حسابات الردع الإيرانية ومخاوف العواصم الخليجية، تبقى المنطقة أمام مفترق طرق حاسم: إما احتواء التصعيد عبر قنوات سياسية، أو الانزلاق إلى مواجهة إقليمية أوسع قد تعيد تشكيل موازين القوى لعقود مقبلة.















