بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

الشرق الأوسط

الحوثيون على الهامش: استراتيجية الضبط المحسوب لتفادي كلفة الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

في لحظة إقليمية تتجه نحو مزيد من التشظي والتصعيد، يبرز سلوك جماعة الحوثيين (أنصار الله) كاستثناء لافت. فبينما انخرطت فصائل عراقية موالية لإيران، إلى جانب حزب الله اللبناني، في مسارات تصعيدية مباشرة، اختارت الجماعة اليمنية التموضع على الهامش.

هذا الغياب لا يعكس انكفاءً بقدر ما يشير إلى استراتيجية ضبط ذاتي، تحكمها اعتبارات ميدانية وسياسية تتجاوز منطق “محور واحد–سلوك واحد”.

أولوية تثبيت السيطرة الداخلية 

يكمن السبب الأساسي لبقاء الحوثيين بعيداً عن الصراع الإقليمي في تركيزهم على تثبيت السيطرة على مناطق واسعة في شمال ووسط اليمن. فبعد أكثر من عقد من الحرب المستمرة مع القوات الحكومية المدعومة من التحالف العربي، أصبح الحفاظ على المكاسب المحلية أولوية قصوى. أي تدخل مباشر خارج اليمن قد يفتح جبهة جديدة ويعرض مواقعهم الحيوية للخطر، بما في ذلك المدن والمراكز الاقتصادية، ويزيد من احتمالية حدوث اضطرابات داخلية قد تؤثر على استقرار مناطقهم.

الحوثيون يسعون لتحقيق نوع من التوازن بين الاحتفاظ بالقوة العسكرية والسيطرة السياسية على الأرض، وفي الوقت نفسه تفادي الدخول في مواجهات قد تؤدي إلى تراجع نفوذهم المحلي. لذلك، البقاء على الهامش لا يعكس ضعفاً، بل سياسة محسوبة لضمان استمرار السيطرة على مناطقهم من دون المخاطرة بخسارة أي مكاسب استراتيجية.

كلفة الرد العسكري المحتمل

عامل آخر يحدّ من تدخل الحوثيين هو الخوف من ردود فعل عسكرية واسعة. التحالف العربي يراقب كل تحركات الحوثيين عن كثب، وأي محاولة للانخراط في مواجهة خارجية قد تؤدي إلى ضربات جوية وبرية مركزة تستهدف مواقعهم. هذه الضربات يمكن أن تقوض بنيتهم العسكرية وتحدّ من قدرة الحوثيين على الدفاع عن مواقعهم الأساسية.

يظهر الخطر جلياً عند النظر إلى التاريخ العسكري للصراع اليمني، حيث أدت أي محاولات هجومية في السابق إلى استنزاف القوات الحوثية وتراجع نفوذهم في بعض المناطق، ما يعزز قرارهم الحالي بعدم الانخراط المباشر في النزاع الإقليمي.

الوظيفة الإقليمية ضمن الاستراتيجية الإيرانية 

تلعب الاعتبارات السياسية والدبلوماسية دوراً مهماً في سياسة الحوثيين. يُنظر إليهم كأداة ضغط استراتيجية لإيران، التي تفضل إبقائهم على الهامش في الوقت الراهن. إيران تستطيع استخدام الحوثيين في مواجهة محدودة أو رد تكتيكي عند الحاجة، من دون أن يؤدي تدخلهم المباشر إلى خسائر كبيرة على الأرض اليمنية.

هذا يتيح لطهران المرونة في إدارة الصراع الإقليمي، حيث يمكن تفعيل الحوثيين بشكل محدود لتعزيز موقفها الاستراتيجي من دون المخاطرة بمصالحها على المدى الطويل.

حدود القدرة العملياتية

القدرات العسكرية واللوجستية للحوثيين محدودة مقارنة بفصائل عراقية أو حزب الله اللبناني. تمتلك الجماعة صواريخ قصيرة المدى وطائرات مسيرة، لكنها غالباً مخصصة للعمليات الدفاعية أو الضربات التكتيكية المحدودة، وليست لشن عمليات هجومية بعيدة المدى أو معقدة خارج اليمن.

تركيزهم الحالي على الدفاع الداخلي يوفر لهم القدرة على الصمود والسيطرة على مواقعهم الأساسية، مع الحفاظ على قوتهم العسكرية من دون استنزافها في مواجهات بعيدة قد تؤدي إلى خسائر كبيرة.

أثر الضربات الإسرائيلية والردع غير المباشر

خلال الأشهر الأخيرة، استهدفت إسرائيل عدة قيادات ومواقع استراتيجية للحوثيين بهدف الحدّ من قدراتهم الصاروخية وطائراتهم المسيّرة، ومنعهم من توسيع دائرة استهداف السفن والمنشآت الحيوية في البحر الأحمر. هذه الضربات أظهرت للحوثيين حدود قدرتهم على مواجهة إسرائيل مباشرة، وعززت موقفهم الحذر.

تأثير الضربات الإسرائيلية دفع الحوثيين إلى تكثيف دفاعهم عن مواقعهم الداخلية وتقييد النشاط خارج اليمن، مع الحفاظ على خيار الرد التكتيكي المحدود. هذه التجربة عززت لديهم الوعي بأن الانخراط المباشر في النزاع الإقليمي قد يجرهم إلى مواجهة قد تكون مدمرة، في وقت لا يزالون فيه بحاجة لتثبيت مكاسبهم المحلية وإدارة ملف الأمن الداخلي بشكل دقيق.

دخول الفصائل العراقية وحزب الله

على النقيض من الحوثيين، دخلت الفصائل العراقية الموالية لإيران وحزب الله اللبناني النزاع الإقليمي بشكل مباشر. هذه الفصائل تمتلك شبكات لوجستية معقدة وخبرة ميدانية طويلة، تؤهلها لتنفيذ ضربات دقيقة على أهداف استراتيجية بعيدة، بما في ذلك داخل الأراضي الإسرائيلية. الفصائل العراقية تستفيد من قربها الجغرافي من سوريا وإسرائيل، فيما يوفر حزب الله اللبناني خبراته العملياتية والاستخباراتية الطويلة، ما يسمح له بالتحرك بسرعة وفعالية في أي مواجهة إقليمية.

يوضح هذا التباين في القدرات العسكرية واللوجستية سبب اختيار الحوثيين البقاء على الهامش، في حين تتسم الفصائل الأخرى بالقدرة على الانخراط المباشر في النزاع. الاختلاف في الموارد والخبرة يجعل من التدخل الحوثي المباشر خياراً محفوفاً بالمخاطر، بينما تدخل الفصائل العراقية وحزب الله يظهر كخطوة استراتيجية محسوبة بعناية.

المخاوف الحوثية

المخاوف التي تحدد سياسة الحوثيين يمكن تلخيصها في ثلاثة محاور رئيسية. أولها احتمال الرد العسكري المكثف من التحالف العربي، والذي قد يشمل ضربات جوية وبرية واسعة النطاق. ثانيها خطر فقدان السيطرة على مناطقهم المحلية، بما في ذلك المدن والمراكز الحيوية التي يحكمونها منذ سنوات، ما قد يؤدي إلى اضطراب داخلي ومواجهة مع السكان أو الفصائل الموالية لهم. ثالثها الاعتبارات الاستراتيجية لإيران، التي تفضل بقاء الحوثيين كأداة ضغط تكتيكية، لا الانخراط المباشر في مواجهة مفتوحة. مع الاعتماد على مزيج من الحذر والمراقبة، والقدرة على الرد عند الحاجة من دون المخاطرة بمكاسبهم الداخلية.

السيطرة على مضيق “باب المندب”

على الرغم من عدم تدخلهم المباشر، يحتفظ الحوثيون بدور استراتيجي مهم من خلال السيطرة على مضيق “باب المندب”، الذي يعد أحد أهم الممرات البحرية في العالم لتجارة النفط والشحن الدولي. هذه السيطرة تمنحهم القدرة على التأثير غير المباشر على التحركات الإقليمية واستقرار شحن النفط العالمي، ما يجعلهم أداة ضغط يمكن تفعيلها في أي لحظة حسب الحاجة الاستراتيجية لإيران أو في أي مواجهة محتملة مع التحالف العربي أو إسرائيل.

الحوثيون ليسوا مجرد لاعب هامشي، بل قطعة رئيسية في لوحة الصراع الإقليمي. تأثيرهم قد يظهر بشكل كبير في أي مفاوضات مستقبلية أو تحولات عسكرية على الأرض، سواء عبر استخدام قدراتهم في البحر الأحمر أو عبر الردّ التكتيكي المحدود في حال تصعيد المواجهة. مراقبتهم المستمرة أصبحت ضرورية لفهم أي تحولات محتملة في النزاع الإقليمي، خصوصاً في ظل استمرار التصعيد وتحركات كل الأطراف المعنية في المنطقة.