بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير دولي

الحرب العالمية الثالثة: الاقتصاد والسياسة والأمن ضد النزاعات العسكرية وهشاشة النظام الدولي في القرن الجديد

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

يشهد العالم اليوم حالة متزايدة من الهشاشة المُركّبة، تتقاطع خلالها الأزمات الاقتصادية مع النزاعات العسكرية الإقليمية والدولية، ويتراجع دور آليات الضبط التقليدية للنظام العالمي، ما يرفع منسوب المخاطر المرتبطة بسوء التقدير أو التصعيد غير المحسوب.

لم يعد النقاش حول احتمال اندلاع صراع عالمي واسع في العقود الأخيرة محصوراً في إطار السيناريوهات النظرية أو أدبيات الخيال السياسي، بل أصبحت التوترات بين القوى الكبرى واقعاً ملموساً يُعيد تشكيل موازين القوة.

منذ أواخر فبراير/شباط الماضي، يشهد الشرق الأوسط تصعيداً عسكرياً مباشراً بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. بدأت المواجهة بعمليات جوية مشتركة داخل الأراضي الإيرانية، لترد طهران بصواريخ وطائرات مسيرة على مواقع إسرائيلية وقواعد أمريكية، وسرعان ما توسع نطاق النزاع ليشمل دولاً مجاورة تُستخدم كمنصات لوجستية أو قواعد دعم، ما حول الأزمة من مواجهة إقليمية إلى تهديد لهشاشة النظام الدولي على نطاق أوسع. 

في هذا السياق، أصبح الاقتصاد، والطاقة، والتكنولوجيا، وحتى الأمن الغذائي، أدوات ضغط استراتيجية تُستخدم في إدارة الصراع بين الدول، الأمر الذي يُعقد الفصل بين ما هو اقتصادي وما هو أمني أو عسكري.

هشاشة النظام الدولي وتراجع أدوات الضبط

تحوّل النظام الدولي خلال العقود الأخيرة، من مرحلة هيمنة شبه مطلقة للقوة الأمريكية بعد نهاية الحرب الباردة إلى منظومة أكثر تعددية في مراكز القوة. لعبت الصين بنموها الاقتصادي المستمر وروسيا بحديثها لآلياتها العسكرية دوراً بارزاً في إعادة تشكيل موازين القوى العالمية. ولم يعد التفوق العسكري وحده كفيلاً بضمان الاستقرار، إذ بات التنافس بين القوى الكبرى يتضمن جوانب اقتصادية وتكنولوجية وجيوسياسية في آن واحد.

إن غياب سلطة مؤسسات دولية قادرة على منع التصعيد أو ضبط دَفته يُعبر بوضوح عن هشاشة النظام العالمي الحالي. فالأزمات الإقليمية مثل الحرب في إيران لم تعد تُحتوى بسهولة عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية، إذ تتباين مصالح الدول الكبرى وتتقاطع مع حسابات أمنها الوطني وأهدافها الاقتصادية، ما يزيد من مخاطر السقوط في دوامة تصعيد يصعب وقفها.

الاقتصاد كساحة صراع استراتيجي

في القرن الحادي والعشرين، لم يعد الاقتصاد مجرد إطار للتبادل التجاري بين الدول، لكن أصبح أداة مركزية في إدارة الصراع الدولي. العقوبات الاقتصادية، واستخدام سلاسل التوريد كأدوات ضغط، والقيود على الاستثمار والتكنولوجيا باتت جزءاً لا يتجزأ من النزاعات بين الدول، حتى أنها تُستخدم كبديل أو كمكمل للقوة العسكرية.

تجربة العقوبات الغربية على إيران قبل اندلاع الحرب الحالية تُظهر كيف يمكن للضغط الاقتصادي أن يُضعف بنية دولة استراتيجية عبر الحد من مواردها المالية وتحجيم قدراتها الصناعية. وكذلك أثبتت العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على روسيا منذ العام 2022 أن السيطرة على الموارد المالية والتجارية يمكن أن تُحدث تأثيرات أعمق على سياسات الدول من مجرد المواجهة العسكرية التقليدية.

لذا، فإن تصاعد النزاعات الاقتصادية يدفع دولاً عدة إلى إعادة تشكيل سياساتها الصناعية، مثل بناء سلاسل توريد مستقلة أو تنويع مصادر المواد الخام والمنتجات التكنولوجية الحيوية. وقد ظهر ذلك جلياً في سعي العديد من الدول إلى تقليل اعتمادها على مصادر الطاقة أو التكنولوجيا الأجنبية، وهو تحول يعكس تخوفاً من أزمات مستقبلية قد تنطلق من تصاعد النزاعات الدولية.

التكنولوجيا والقدرات الإنتاجية

أحد أبرز أوجه التداخل بين النزاعات الاقتصادية والعسكرية يتمثل في سباق التقدم التكنولوجي والقدرات الإنتاجية المتقدمة. على سبيل المثال، أشباه الموصلات ليست مجرد سلعة اقتصادية، بل تمثل قاعدة صناعية حيوية تحدد التفوق العسكري والاقتصادي للدول. السيطرة على هذه الصناعة تعني القدرة على تطوير أجهزة عسكرية متقدمة، وأنظمة اتصالات متطورة، وتقليل الاعتماد على مصادر خارجية يمكن استغلالها كأوراق ضغط.

أصبحت المنافسة في هذه القطاعات شبيهة بساحات قتال غير تقليدية، حربٌ تكنولوجية واقتصادية تسعى من خلالها الدول الكبرى إلى حماية صناعاتها، التفوق فيها، أو حتى عزل خصومها عن الوصول إليها. ولا يقتصر النزاع على أشباه الموصلات فحسب، بل يتوسع ليشمل الذكاء الاصطناعي، والبنى التحتية الرقمية، وأنظمة الدفاع الإلكتروني، جميعها عناصر حاسمة في بناء القوة العسكرية الحديثة.

الطاقة والنقاط الجيوسياسية الحرجة

تُظهر الأحداث الجارية في مضيق “هُرمز” — الممر البحري الذي يمر عبره نحو ثلث نفط العالم — بوضوح كيف أن الأمن والطاقة أصبحا وجهين لعملة واحدة. الحرب في إيران أدّت إلى تعطيل الملاحة في هذا الشريان الحيوي، ما تسبب في ارتفاع أسعار النفط والغاز على المستويين الإقليمي والعالمي وزيادة الضغط على الأسواق التي كانت لا تزال في مرحلة التعافي من تداعيات جائحة “كورونا” والأزمات الاقتصادية المتلاحقة.

إن أي اضطراب في تدفق الطاقة من الشرق الأوسط لا يؤثر فقط على الاقتصادات المستهلكة للطاقة، بل يمتد تأثيره إلى سياسات الاستثمار، أسعار المواد الخام، وتحركات البورصات المالية. وهنا يتضح أن الصراع العسكري في منطقة تُعد مركزاً للإمدادات الحيوية يمكن أن يُسقط بسرعة في ساحات الاقتصاد العالمي، ما يجعل من الأمن الإقليمي قضية ذات أبعاد اقتصادية عالمية.

الهجمات السيبرانية والحروب الاقتصادية

في عالم رقمي متصل، لم تعد الحروب تعتمد إطلاق نار لتحدث أضراراً جسيمة. فالهجمات السيبرانية، وتعطيل البنى التحتية الرقمية، والتلاعب بالأسواق المالية، باتت السلاح الأقل وضوحاً والأكثر فعّالة. الدول التي تمتلك قدرات سيبرانية متقدمة يمكنها تعطيل قدرة خصومها الاقتصادية دون أن تلجأ إلى المواجهة العسكرية، ما يجعل من هذا المجال ساحة تنافس يصعب مراقبتها أو تنظيمها.

كما أن النزاعات الاقتصادية — مثل الحروب التجارية أو العقوبات المالية — قد تُضعف خصماً استراتيجياً قبل أن تبدأ المواجهة العسكرية فعلياً، وهو ما يجعل المدنيين والدول بأكملها أهدافاً غير مباشرة في صراع لا يشبه أي حرب عرفها العالم في الماضي.

لا يزال السلاح النووي يشكل عنصراً محورياً في معادلات الردع، لكن التهديدات الاقتصادية واسعة النطاق — مثل انهيار أسواق الطاقة أو تعطيل سلاسل التوريد — تُعد تهديدات وجودية بحد ذاتها، لا تقل خطورة عن خطر الهزيمة العسكرية المباشرة. هذه المعادلة الجديدة تزيد من احتمالات سوء التقدير، خصوصاً عندما تشعر دول بأنها محاصرة اقتصادياً أو عسكرياً في آن واحد.

إدارة التشابك قبل الانزلاق

حتى الآن، شكّل الترابط العميق للاقتصاد العالمي عاملَ كبحٍ لاحتمالات انزلاق النزاعات نحو حرب شاملة، نظراً للتكلفة الباهظة التي ستتحملها جميع الأطراف. غير أن هذا الكبح يبقى هشاً وقابلاً للانهيار في حال وقوع صدمة اقتصادية كبرى أو تصعيد محدود يخرج عن السيطرة.

في ظل الحرب الدائرة حالياً، يتضح أن الصراعات المستقبلية، إن اندلعت، لن تكون حروباً تقليدية فحسب، بل نزاعات معقدة ومتداخلة تشمل الضغوط الاقتصادية، والتنافس التكنولوجي، والتحركات العسكرية المباشرة. ولا يكمن التحدي الأساسي أمام المجتمع الدولي في منع الحرب فقط، بل في إدارة هذا التشابك المعقد قبل أن يتحول إلى أزمة شاملة يصعب احتواؤها.