أمهل مجلس مفوضي الهيئة الأردنية المستقلة للانتخاب حزب جبهة العمل الإسلامي، الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين المحظورة في المملكة، ستين يوماً لتغيير اسمه وتصويب مخالفاته القانونية، بعدما اعتُبر الاسم الحالي مخالفاً لقانون الأحزاب الذي يمنع تأسيس أي حزب على أسس دينية أو طائفية أو عرقية.
القرار يأتي في إطار تطبيق متطلبات قانون الأحزاب رقم 7 لسنة 2022، الذي يشدد على الهوية الوطنية المدنية للأحزاب السياسية، ويُلزمها بالعمل وفق برامج سياسية لا ترتبط بمرجعيات دينية أو فئوية. ووفق التقديرات الرسمية، يهدف الإجراء إلى ضمان اتساق البنية الحزبية مع الإطار القانوني المنظّم للحياة السياسية، وتعزيز مبدأ التنافس القائم على البرامج لا الهويات.
المخالفات القانونية: ما يتجاوز الاسم
أوضحت الهيئة أن الملاحظات لا تقتصر على اسم الحزب، بل تشمل أيضاً بعض بنود نظامه الأساسي، حيث يتوجب مواءمته مع النصوص القانونية التي تحظر استمرار الأحزاب على أسس دينية أو طائفية أو عرقية أو فئوية.
كما رُصدت ملاحظات تتعلق بآليات تشكيل الهيئات القضائية الداخلية للحزب، إذ لم تُنتخب من المؤتمر العام، وهو ما اعتبرته الهيئة مخالفة لمعايير الحوكمة التنظيمية المعتمدة في العمل الحزبي. وترى الجهات الرسمية أن معالجة هذه الاختلالات تمثل شرطاً لتعزيز استقلالية الهياكل الداخلية وترسيخ الممارسات الديمقراطية داخل الأحزاب.
تأتي الخطوة ضمن مسار تنظيمي شهدته الساحة السياسية الأردنية خلال السنوات الأخيرة، شمل قرارات قضائية وإدارية مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، وصولاً إلى حظر أنشطتها ومصادرة ممتلكاتها في عام 2025 بعد عدم تصويب أوضاعها القانونية. وعلى الرغم من احتفاظ الحزب بترخيصه ومشاركته في الانتخابات النيابية الأخيرة، ظلّ الفصل التنظيمي بينه وبين الجماعة موضع نقاش سياسي وقانوني، ما دفع الجهات المختصة إلى التشديد على ضرورة وضوح الهوية القانونية والتنظيمية للأحزاب العاملة في البلاد.
دلالات تغيير الاسم
يُنظر إلى مسألة تغيير الاسم باعتبارها إجراءً قانونياً يهدف إلى إزالة أي التباس محتمل حول طبيعة الحزب وهويته التنظيمية، وضمان توافقه مع الإطار التشريعي الناظم للحياة الحزبية. وتشير قراءات سياسية إلى أن هذه الخطوة تندرج ضمن توجه أوسع لتعزيز الطابع المدني للأحزاب وترسيخ قواعد المنافسة السياسية المتكافئة.
كما يُتوقع أن يسهم تعديل الاسم في إعادة تموضع الحزب ضمن المشهد السياسي وفق معايير قانونية واضحة، مع الحفاظ على حقه في العمل الحزبي طالما التزم بمتطلبات التشريعات النافذة.
إلى جانب الاسم، شددت الهيئة على أهمية استكمال الإصلاحات التنظيمية الداخلية، بما يشمل إجراء الانتخابات الدورية للهيئات القيادية، وتحديد مدد الولاية للمناصب التنفيذية، وتفعيل المحاكم الحزبية المستقلة للفصل في النزاعات التنظيمية.
من المرجح أن هذه المتطلبات تعكس توجهاً لتعزيز المؤسسية داخل الأحزاب الأردنية، بما يرفع مستوى الشفافية والمساءلة ويعزز ثقة الأعضاء والرأي العام بآليات العمل الحزبي.
خيارات الحزب خلال المهلة القانونية
مع بدء احتساب مهلة الستين يوماً، يواجه الحزب مسارين رئيسيين:
1) الامتثال القانوني: عبر تغيير الاسم وتعديل النظام الأساسي واستكمال الإصلاحات التنظيمية، بما يتيح له الاستمرار في النشاط السياسي ضمن الإطار القانوني.
2) التأخير أو الطعن: وهو مسار قد يفتح الباب أمام إجراءات قضائية إضافية قد تشمل تعليق النشاط أو النظر في الترخيص الحزبي، وفق ما ينص عليه القانون.
وتشير تقديرات سياسية إلى أن خيار الامتثال قد يكون الأكثر ترجيحاً في ظل الرغبة بالحفاظ على الحضور السياسي والمؤسساتي للحزب.
تعود بدايات حضور جماعة الإخوان في الأردن إلى أربعينيات القرن الماضي، حين حصلت على ترخيص للعمل الاجتماعي والدعوي، قبل أن يتطور نشاطها لاحقاً إلى حضور سياسي وتنظيمي واسع عبر النقابات والجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني. وفي مطلع التسعينيات تأسس حزب جبهة العمل الإسلامي كإطار سياسي شارك في الانتخابات والعمل البرلماني، غير أن الانقسامات الداخلية والتطورات الإقليمية أسهمت في إعادة تشكيل موقعه داخل المشهد السياسي خلال العقدين الأخيرين.
بين الضبط القانوني والتحديث السياسي
تتزامن الإجراءات التنظيمية مع مسار التحديث السياسي الذي تتبناه الدولة الأردنية، والرامي إلى توسيع المشاركة الحزبية وتعزيز التمثيل البرامجي داخل البرلمان. ويشمل هذا المسار برامج تدريبية وتنظيمية تستهدف تطوير قدرات الأحزاب وتوسيع مشاركة الشباب والمرأة في الحياة السياسية.
في هذا السياق، يُنظر إلى ضبط الأطر القانونية والتنظيمية للأحزاب باعتباره جزءاً من عملية أوسع لإعادة هيكلة المجال الحزبي بما يحقق التوازن بين حرية العمل السياسي ومتطلبات التنظيم القانوني.
يعيش الحزب في المرحلة الحالية نقاشاً داخلياً حول كيفية التعامل مع القرار، بين توجه يدعو للحفاظ على الاسم باعتباره جزءاً من الهوية السياسية، وآخر يرى أن التكيف مع المتطلبات القانونية يُمثل خياراً عملياً لضمان الاستمرارية.
بين هذين الاتجاهين، تبدو المُهلة القانونية اختباراً لقدرة الحزب على إعادة تعريف موقعه التنظيمي والسياسي ضمن البيئة التشريعية المتغيرة.
محطة مفصلية في تنظيم العمل الحزبي
يمثل قرار إلزام الحزب بتغيير اسمه وتصويب أوضاعه التنظيمية محطة بارزة في مسار تنظيم الحياة الحزبية في الأردن، كما يعكس استمرار التحولات التي يشهدها النظام السياسي في إطار مشروع التحديث.
خلال الأسابيع المقبلة، لن يقتصر النقاش على مسألة الاسم، بل سيمتد إلى طبيعة التحول المؤسسي الذي قد يشهده الحزب، وما إذا كان سيتمكن من إعادة التموضع كحزب مدني بمرجعية وطنية واضحة، أو الدخول في مسار قانوني أكثر تعقيداً.
في المحصلة، تؤكد التطورات أن مستقبل الحزب سيتحدد بمدى قدرته على التكيف مع البيئة التشريعية والتنظيمية الجديدة، في وقت تتجه فيه الحياة السياسية الأردنية نحو ترسيخ قواعد حزبية أكثر مؤسسية وتنظيماً.















