بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

مقالات مشابهة

تقرير ميداني

اقتصاد الظل في الساحل الإفريقي: إمبراطورية الجريمة العابرة للحدود من صحراء ليبيا إلى أبواب أوروبا

بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

في صحراء الساحل، حيث تتلاشى الحدود وتضعف سلطة الدولة، نشأ خلال السنوات الأخيرة أكبر اقتصاد جريمة وتجارة غير شرعية في إفريقيا، تقوده شبكات منظمة تتحالف مع جماعات متطرفة، وتديره مصالح عابرة للحدود تمتد من جنوب ليبيا إلى قلب أوروبا.

تكشف أرقام الهجرة والوقود والمخدرات والفساد، أن ما يجري لم يعد نشاطاً هامشياً، بل منظومة اقتصادية كاملة تهدد أمن القارة السمراء، وتطرق أبواب المتوسط بثقل غير مسبوق. في عمق الصحراء، حين تنطفئ آخر نقاط الضوء على الخرائط، تبدأ السوق عملها. لا أصوات تُسمع سوى هدير محركات بعيدة، ولا رايات تُرفع سوى أثر الإطارات على الرمل. 

هنا، في المثلث الذي يصل جنوب ليبيا بشمال النيجر وغرب تشاد، تنشط الجريمة في “العلن” ولكن الصامت؛ بدلاً من “الخفاء” المجهول. هذا المكان ليس هامشاً جغرافياً، بل قلب أكبر اقتصاد ظل في إفريقيا؛ اقتصادٌ لم يكتف بتهريب البشر والوقود والمخدرات، بل أعاد رسم خرائط النفوذ، وحول الجماعات المتطرفة إلى شركاء طريق، وصدّر أزماته، ولا يزال، إلى شواطئ أوروبا.

حين تخلّت الأيديولوجيا عن نقائها

لم تعد الجماعات المتطرفة في الساحل تعتمد على التبرعات أو الغنائم التقليدية، إذ توثق تقارير الأمم المتحدة تحولاً حاسماً نحو شراكات مصلحية مع شبكات الجريمة المنظمة. وفي مناطق نفوذ “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” وتنظيم “الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى”، تفرض هذه الجماعات ضرائب مرور، وتوفر الحماية المسلحة للقوافل، وتترك إدارة التجارة لتجار محترفين. المال هنا يُمول بقاء العقيدة، لا يناقضها.

تصف الأمم المتحدة هذا النموذج بأنه انتقال من “تمويل الإرهاب” إلى “اقتصاد الحماية”: طريق آمن مقابل رسم محدد، وسلاح مقابل ولاء مؤقت. وفي هذه المعادلة، يصبح استهداف طرق التهريب ضرباً من الانتحار المالي.

تجّار بلا رايات.. لكنهم يحكمون

على الطرف الآخر من الطريق، يقف تجار الجريمة المنظمة بلا خطب، ولا بيانات، ولا حدود. ويضع تقرير أممي رقماً صادماً أمام هذا الواقع؛ إذ تتراوح رشوة الشاحنة الواحدة لعبور طرق الساحل بين 350 و700 ألف فرنك غرب إفريقي (CFA)، وهو مبلغ يتجاوز رواتب شهرية كاملة في أجهزة إنفاذ القانون. بهذا السعر، تُشترى السلامة، ويُشترى الصمت، وتُستباح الدولة.

GWA

أما الوقود الليبي، فقد صار عماد هذا الاقتصاد. فقد قدرت تحقيقات دولية أن تهريب الوقود من ليبيا كلف البلاد نحو 20 مليار دولار بين عامي 2022 و2024، منها 6.7 مليارات في عام واحد. هذه الأرقام لا تشرح حجم الجريمة فحسب، بل تفسر لماذا يملك هذا الاقتصاد القدرة على شراء الحماية وإعادة إنتاج نفسه.

البلدان الرخوة: حيث يبلغ النشاط ذروته

لم يكن انتشار هذه الإمبراطورية متساوياً يوماً، فنشاطها يتركّز حيث تتقاطع الهشاشة السياسية، والفراغ الأمني، واقتصاد الظل:

– جنوب ليبيا: عقدة الوقود والبشر، ومساحة تنافس نفوذ، وبوابة رئيسية لمسار وسط المتوسط.

– مالي: مساحات واسعة خارج السيطرة الحكومية، حيث تفرض الجماعات المتطرفة إتاوات على التعدين غير النظامي والطرق التجارية.

– شمال النيجر: نقطة عبور محورية، تتأثر مباشرة بأي اضطراب في الجنوب الليبي.

– شمال تشاد: تداخل طرق السلاح والذهب مع شبكات عابرة للحدود.

في هذه الجغرافيا، لا تُقاس السيادة بالخرائط، بل بعدد القوافل التي تمر دون اعتراض.

البشر.. السلعة الأكثر ربحاً

على مسار وسط المتوسط، الأخطر نحو أوروبا، سُجّل نحو 59 ألف دخول غير شرعي خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025، وكانت ليبيا نقطة الانطلاق لنحو 90% من هذه الحالات على المسار نفسه. ورغم تراجع الأرقام الإجمالية في الاتحاد الأوروبي، بقي هذا الطريق حيوياً لتجار البشر.

الكلفة الإنسانية تكتب تاريخها بالأرقام القاسية، إذ سُجلت 1,878 وفاة في المتوسط خلال 2025، مع تقديرات بفقدان نحو 25,600 شخص منذ 2014. كل رقم هنا هو صفقة اكتملت، ورحلة لم تصل.

لماذا يفشل الردّ الأمني؟

عززت قارة أوروبا حدودها عبر وكالة حرس الحدود والسواحل الأوروبية (فرونتكس)، التي نشرت أكثر من 3,800 ضابط دعم في عام 2025. لكن الوكالة نفسها تقر بأن شبكات التهريب قادرة على تحويل الضغط من مسار إلى آخر بسرعة فائقة. في الصحراء، الطريق أذكى من الحاجز، والاقتصاد أسرع من القرار السياسي. أما دول الساحل، فإن تكلفة السيطرة على فضاء صحراوي شاسع تجعل الاستجابة انتقائية بطبيعتها، وهو ما تتقنه إمبراطورية الظل.

ما بين الجماعات المتطرفة وتجار الجريمة، ذابت الحدود الأخلاقية قبل الجغرافية. هنا، وحّد المال ما فرقته الأيديولوجيا، وصنع أكبر اقتصاد للجريمة غير الشرعية في إفريقيا، اقتصاداً يهدد استقرار القارة، ويضع أوروبا أمام خطر مصدره ليس القوارب فقط، بل نظام كامل من العنف والفساد والمال.