يفتح اغتيال علي لاريجاني أمين مجلس الأمن القومي، وغلام رضا سليماني قائد قوات الباسيج، فصلاً جديداً وخطيراً في مسار المواجهة المتصاعدة بين إيران وخصومها، بعد تأكيد مقتلهما في ضربة دقيقة استهدفت موقعاً حساساً تابعاً لـلحرس الثوري الإيراني.
لا يبدو ما جرى مجرد عملية عسكرية ناجحة، بل تحول استراتيجي يعكس انتقال الصراع إلى مستوى استهداف مراكز القرار السياسية والأمنية معاً، في تكرار أكثر تعقيداً لمسار بدأ مع اغتيال قاسم سليماني في العام 2020، لكنه يتجاوزه من حيث العمق والتداعيات.
في لحظة واحدة، وجدت طهران نفسها أمام خسارة مزدوجة تمسّ بنيتها السياسية وأدواتها الأمنية الداخلية، ما يفتح الباب أمام مرحلة غير محسوبة من التصعيد.
دور إسرائيل في العملية
تُشير التقديرات إلى أن العملية تحمل بصمات نمط العمليات الإسرائيلية المعروفة، من حيث الدقة الاستخباراتية والقدرة على استهداف شخصيات عالية المستوى داخل بيئات معقدة أمنياً. وعلى الرغم من غياب إعلان رسمي سابق، فإن سجل إسرائيل في تنفيذ عمليات مشابهة ضد أهداف مرتبطة بـالحرس الثوري الإيراني يعزز فرضية وقوفها خلف الضربة، سواء بشكل مباشر أو عبر تنسيق استخباراتي مع أطراف أخرى.
وتؤكد المصادر الرسمية والاستخباراتية تورط إسرائيل بشكل مباشر في التخطيط والتنفيذ، ما يجعل هذه العملية جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى تقويض مراكز القوة داخل النظام الإيراني ومنع إعادة بناء شبكاته القيادية بعد كل ضربة.
كيف جرت عملية الاغتيال؟
تكشف المعلومات الأولية إلى أن العملية نُفذت عبر ضربة دقيقة استهدفت اجتماعاً مغلقاً ضم شخصيات سياسية وأمنية رفيعة. طبيعة الهدف وتوقيته يدلان على اختراق استخباراتي مُتقدم، حيث جرى تحديد مكان الاجتماع بدقة، وتنفيذ الهجوم في لحظة حرجة تضمن تحقيق أكبر قدر من الخسائر القيادية.
الضربة، التي وُصفت بالخاطفة، لم تترك مجالاً لرد فعل فوري، وهو ما يعكس تطوراً في قدرات الجهة المنفذة، سواء من حيث جمع المعلومات أو تنفيذ العمليات. كما أن استهداف شخصيتين بهذا الوزن في وقت واحد يُشير إلى تخطيط مسبق يهدف إلى إحداث صدمة مركّبة داخل النظام الإيراني، تتجاوز أثر استهداف فرد واحد.
تسريبات غير رسمية أشارت إلى أن الموقع المستهدف كان يُعتبر آمناً نسبياً، ما يزيد من خطورة الاختراق، ويطرح تساؤلات حول وجود ثغرات داخلية أو تعاون غير مباشر ساهم في نجاح العملية.
لاريجاني.. رجل التوازنات المُعقّدة
يُعد علي لاريجاني من أبرز الشخصيات التي لعبت دوراً محورياً في السياسة الإيرانية خلال العقود الماضية. تولى رئاسة البرلمان لسنوات، وشارك في إدارة ملفات حساسة، بينها قضايا الأمن القومي والعلاقات الخارجية.
تميّز لاريجاني بقدرته على التحرك بين التيارات المختلفة داخل النظام الإيراني، حيث لم يكن محسوباً بالكامل على جناح واحد، بل شكّل نقطة توازن بين مراكز القوى. هذه الخاصية جعلته لاعباً أساسياً في إدارة الخلافات الداخلية، وصياغة تسويات سياسية في لحظات حساسة.
وجوده لم يكن رمزياً، بل عملياً ومؤثراً، وهو ما يجعل غيابه ضربة مباشرة لآلية اتخاذ القرار داخل الدولة، وليس فقط خسارة لشخصية سياسية بارزة.
غلام رضا سليماني.. ذراع التعبئة والسيطرة
في المقابل، يمثل غلام رضا سليماني أحد أبرز الوجوه الأمنية في إيران، بصفته قائداً لقوات الباسيج، التي تُعد أداة رئيسية في ضبط الداخل وتنفيذ سياسات التعبئة.
لعب سليماني دوراً محورياً في إدارة الملفات المرتبطة بالأمن الداخلي، من مراقبة الاحتجاجات إلى تنظيم الحملات التعبوية. كما كان جزءاً من شبكة التنسيق بين الأجهزة الأمنية المختلفة، ما جعله عنصراً أساسياً في منظومة السيطرة الداخلية.
استهدافه إلى جانب لاريجاني يعكس توجهاً واضحاً لضرب ركيزتين متكاملتين: القرار السياسي من جهة، وأدوات التنفيذ والضبط من جهة أخرى.
تداعيات داخلية: ارتباك وإعادة تشكيل
من المتوقع أن يؤدي هذا الاغتيال المزدوج إلى حالة من الارتباك داخل النظام الإيراني، على الأقل في المدى القصير. فخسارة شخصية سياسية بحجم لاريجاني ستخلق فراغاً في إدارة التوازنات، بينما سيؤثر غياب غلام رضا سليماني على كفاءة المنظومة الأمنية الداخلية.
هذا الوضع قد يدفع إلى تسريع عملية إعادة ترتيب مراكز القوى، حيث ستسعى شخصيات أخرى إلى ملء الفراغ، ما قد يفتح الباب أمام تنافس داخلي غير معلن. وفي مثل هذه الحالات، غالباً ما تميل الكفة لصالح التيارات الأكثر تشدداً، التي تطرح نفسها كخيار قادر على مواجهة التحديات.
كما أن الحدث سيؤدي إلى رفع مستوى التأهب الأمني، وتعزيز إجراءات الحماية حول القيادات، في محاولة لمنع تكرار مثل هذه الاختراقات.
من استهداف الأطراف إلى ضرب المركز
ما يميز هذه العملية هو انتقالها من استهداف الأطراف إلى ضرب المركز. فبعد أن كان التركيز في السنوات الماضية على القيادات المرتبطة بالنفوذ الخارجي، كما حدث مع قاسم سليماني، باتت الضربات اليوم تطال شخصيات تمثل صلب النظام من الداخل.
هذا التحول يعكس تغييراً في الأهداف الاستراتيجية، حيث لم يعد الهدف فقط تقليص نفوذ إيران الإقليمي، بل التأثير على بنيتها الداخلية، وإرباك آليات اتخاذ القرار.
مثل هذا التوجه يحمل مخاطر كبيرة، لأنه يدفع الصراع إلى مستويات أكثر حساسية، ويزيد من احتمالات الردود غير المتوقعة.
تداعيات إقليمية: تصعيد مفتوح
إقليمياً، من المرجح أن يؤدي هذا الحدث إلى تصعيد في عدة ساحات. إيران، التي اعتادت الرد على استهداف قياداتها، قد تجد نفسها هذه المرة أمام ضغط أكبر للرد، نظراً لطبيعة الشخصيات المستهدفة.
كما أن الفصائل الحليفة لطهران قد تتحرك بشكل متزامن، سواء بشكل مستقل أو بتنسيق غير مباشر، ما قد يؤدي إلى توسيع نطاق المواجهة. وهذا السيناريو يضع المنطقة أمام احتمال تصعيد متعدد الجبهات، يصعب احتواؤه بسرعة.
في الوقت نفسه، قد تسعى بعض الأطراف الدولية إلى ضبط الموقف، لتجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة، لكن نجاح هذه الجهود يبقى غير مضمون في ظل ارتفاع مستوى التوتر.
حرب الرسائل وتآكل الخطوط الحمراء
يحمل اغتيال لاريجاني وسليماني رسائل واضحة تتجاوز نتائجه المباشرة. فهو يؤكد أن لا حصانة لأي موقع داخل النظام، وأن القدرة على الوصول إلى أهداف حساسة أصبحت واقعاً.
كما يعكس تآكلاً تدريجياً في الخطوط الحمراء التي كانت تضبط إيقاع الصراع. فبعدما كان استهداف شخصية عسكرية بارزة يُعد حدثاً استثنائياً، أصبح اليوم استهداف شخصية سياسية جزءاً من سيناريو محتمل.
هذا التغير يخلق دينامية خطيرة، حيث يصبح كل طرف أكثر استعداداً للمخاطرة، ما يزيد من احتمالات التصعيد.
مرحلة بلا سقف
باغتيال علي لاريجاني وغلام رضا سليماني، تدخل المواجهة في الشرق الأوسط مرحلة جديدة تتسم بغياب السقوف الواضحة. لم يعد الصراع يقتصر على استهداف الأدوات، بل بات يطال مراكز القرار نفسها، ما يعيد رسم قواعد اللعبة بشكل جذري.
في ظل هذا الواقع، تبدو المنطقة أمام مسار مفتوح على كل الاحتمالات، حيث يمكن لأي خطوة أن تؤدي إلى تصعيد واسع، أو إلى إعادة تشكيل التوازنات بشكل غير متوقع. وبين الردع والتصعيد، يبقى المؤكد أن ما بعد هذه العملية لن يشبه ما قبلها.















