رغم ارتباط الحرب المستمرة منذ منتصف أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع في السودان بانتهاكات واسعة بحق المدنيين، فإن جرائم الاغتصاب والعنف ضد المرأة التي ارتكبها طرفا القتال شكّلت نموذجاً صارخاً لانهيار الكرامة الإنسانية، وكشفت خللاً عميقاً في العقيدة الأمنية والعسكرية، ارتبط على مدى سنوات طويلة بثقافة العنف الجسدي والإفلات من العقاب المتجذّرة لعقود.
أكدت تقارير صادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية أن الاغتصاب لم يكن حوادث فردية معزولة، بل اتخذ طابعاً ممنهجاً ومنظماً في بعض المناطق، واستُخدم وسيلة للترهيب وإذلال المجتمعات وفرض السيطرة. ووفقاً لتوثيق وزارة الشؤون الاجتماعية، سُجّلت أكثر من 1800 حالة اغتصاب بين أبريل 2023 وأكتوبر 2025، غير أن تقارير مستقلة تشير إلى أن العدد الحقيقي للحالات يفوق بكثير ما أُعلن رسمياً.
أرقام وإحصاءات مخيفة
قالت منظمة “أطباء بلا حدود” إنها قدّمت الرعاية الطبية لـ659 ناجية من العنف الجنسي بين يناير 2024 ومارس 2025، وبأن 56% من الناجيات تعرّضن للاعتداء على يد أفراد من الجيش أو الشرطة أو قوات أمن أخرى أو جماعات مسلحة غير حكومية. وأبلغت 55% منهن عن تعرّضهن لعنف جسدي إضافي أثناء الاعتداء، فيما تعرّضت 34% للعنف الجنسي أثناء عملهن في الحقول أو أثناء التنقل إليها.
وفقاً لكلير سان فيليبو، منسقة الطوارئ في المنظمة، فإن العنف الجنسي المرتكب بحق المرأة السودانية ليس نتيجة طبيعية أو حتمية للحرب، بل يمكن تصنيفه جريمة حرب، وشكلاً من أشكال التعذيب، وجريمة ضد الإنسانية.
الوصمة الاجتماعية أو الخوف من الانتقام
وثّق تقرير لـ”هيومن رايتس ووتش” 262 ناجياً وناجية من العنف الجنسي تلقّوا رعاية مباشرة بين أبريل 2023 وفبراير 2024. كما أظهر آخر لـ”اليونيسف” تسجيل 221 حالة اغتصاب للأطفال منذ بداية عام 2024، من بينها 16 طفلاً دون سن الخامسة، إضافة إلى رُضّع بعمر عام واحد.
كذلك وثّقت مبادرة “المرأة في القرن الإفريقي” 346 حالة عنف جنسي مرتبط بالنزاع بين أبريل 2023 ومطلع عام 2025، معظمها حالات اغتصاب جماعي.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية إلى أن عدد النساء والفتيات اللواتي تعرّضن للعنف الجنسي في السودان قد يكون أعلى بكثير من الأرقام المسجّلة رسمياً، لا سيما بين الأطفال والنساء في أوضاع النزوح. وغالباً ما تمتنع الضحايا عن الإبلاغ بسبب الوصمة الاجتماعية أو الخوف من الانتقام، ما يعني أن ما هو موثّق لا يمثّل سوى جزء من الحجم الحقيقي للانتهاكات.
العُنف الجنسي طابع مُمنهج
تصف وزيرة الشؤون الاجتماعية في الحكومة السودانية المدعومة من الجيش، سليمة إسحق، ما تتعرض له النساء بأنه “أسوأ عنف جنسي في العالم”، مؤكدة أن النساء هن الضحايا الأكثر تضرراً. وتقول: “اتخذ العنف الجنسي طابعاً ممنهجاً لدى قوات الدعم السريع، التي تستخدمه كسلاح حرب ولأغراض التطهير العرقي”.
بعد مرور أكثر من ألف يوم على اندلاع القتال، تشير تقارير صحفية وحقوقية إلى استمرار العنف الجنسي وانتشاره على نطاق واسع، وثّقت بعضها حالات اغتصاب واسعة ارتكبها مسلحون تابعون لقوات الدعم السريع، لا سيما في الخرطوم وإقليم دارفور، المنطقة الغربية الشاسعة التي تسيطر قوات الدعم السريع حالياً على معظم مراكزها السكانية الرئيسية.
الجنس مقابل الطعام
غير أن جرائم الاغتصاب لم تتوقف بعد تراجع قوات الدعم السريع من بعض المناطق. ففي يوليو 2024، نقلت صحيفة “الغارديان” البريطانية عن نساء أنهن أُجبرن على ممارسة الجنس في مدينة أم درمان على يد جنود تابعين للجيش مقابل الحصول على الطعام، في وقت تشير فيه تقارير الأمم المتحدة إلى أن نصف سكان البلاد، البالغ عددهم نحو 48 مليون نسمة، يعانون من انعدام الأمن الغذائي.
وأكدت النساء أن معظم الاعتداءات وقعت في ما يُعرف بـ”منطقة المصانع” في المدينة، حيث يتوفر معظم الغذاء. وقالت إحدى النساء إنها لم تجد خياراً سوى الخضوع للاعتداء لتوفير الطعام لوالديها المسنين وابنتها البالغة من العمر 18 عاماً.
كما أكد جنود وسكان في أم درمان هذه الروايات، وقال أحد الجنود إنه، رغم عدم تورطه شخصياً، فقد شاهد زملاء له يستغلون النساء بهذه الطريقة.
جرائم اغتصاب مروعة
في نهاية يناير، كشفت منصة “نساء دارفور الشاملة” عن جريمة اغتصاب مروعة في محلية الدبة بالولاية الشمالية، استهدفت طفلة نازحة تبلغ من العمر 15 عاماً، بعد استدراجها مع شقيقتها أثناء عودتهما من مكان عمل والدتهما.
ترى المحامية والناشطة الحقوقية رحاب مبارك أن ترويع النساء ومساومتهن على الطعام يبرز مدى فظاعة الجريمة، وتقول: “أغلب الجرائم المرتكبة كانت القوات النظامية طرفاً فاعلاً وأساسياً فيها، لكنها تفلت من العقاب بسبب الحصانات الإجرائية، ولأنها الجهة الحاملة للسلاح”.
وأضافت أن “محاكمات متساهلة عُقدت في قضايا اغتصاب، من بينها قضية اغتصاب شابة في مدينة سنار جنوب شرقي الخرطوم، بعد تهديد والدتها وابتزازها من قبل أحد النظاميين المنتمين إلى قوات المستنفرين”.
مخاطر تُهدد أجيالاً كاملة
في ظل تصاعد حالات الاغتصاب والعنف الجسدي منذ بداية الحرب، تحذر الأمم المتحدة من أن المخاطر التي تواجه المرأة السودانية تهدد مستقبل أجيال كاملة، إذ أثّر الصراع على مختلف جوانب الحياة الاجتماعية، بما في ذلك قدرة النساء على الوصول إلى الموارد الاقتصادية والغذاء والرعاية الصحية.
ووفقاً لـ “اليونيسف”، تواجه أكثر من 12 مليون امرأة وفتاة في السودان تحديات أمنية واقتصادية جسيمة في ظل النزاع الحالي. وتجدر الإشارة إلى أن أعداد النساء تفوق أعداد الرجال بين النازحين داخلياً في جميع الفئات العمرية، إذ يشكّلن 53% من نحو 12 مليون نازح.
ويزيد انعدام الأمن الاقتصادي من مخاطر تعرّض النساء للعنف القائم على النوع الاجتماعي، فمع انهيار الاقتصاد واضطراب سلاسل التوريد والخسائر المالية، أصبحت العديد من النساء اللواتي كنّ يتمتعن باستقلال مالي يعتمدن بشكل متزايد على المساعدات الإنسانية.
النزاع آلة تدمير للحياة
قالت آنا موتافاتي، المديرة الإقليمية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة في شرق وجنوب إفريقيا: “لقد دمّر النزاع في السودان حياة النساء والفتيات بشكل غير متناسب، وانهارت كرامة الإنسان”. وأضافت: “معظم نساء السودان عانين من المجاعة والنزوح والاغتصاب والقصف، وبعض الحوامل منهن وضعن مواليدهن في الشوارع بعد نهب وتدمير آخر مستشفيات الولادة المتبقية”.
حذّرت موتافاتي من أن أجساد النساء “أصبحت مسرحاً للجريمة في السودان”، مؤكدة أنه “لم تعد هناك أماكن آمنة” تلجأ إليها النساء للحصول على الحماية أو الرعاية النفسية والاجتماعية الأساسية.
الإفلات من العقاب يُفاقم الانتهاكات
يعزّز تصاعد العنف الجنسي خلال الحرب الحالية المخاوف من التداعيات الخطيرة لثقافة الإفلات من العقاب. فبعد نحو شهرين من الانقلاب الذي نفذه قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في أكتوبر 2021، أكدت وحدة مكافحة العنف ضد المرأة، وهي منظمة حقوقية، أن عناصر من جهاز الأمن ارتكبوا جرائم اغتصاب بحق متظاهرات في محيط القصر الرئاسي بالخرطوم خلال مشاركتهن في الاحتجاجات المناهضة للانقلاب، دون أن يُلقى القبض على أي من المتورطين أو يُقدَّموا للمحاكمة.
أدرج فولكر بيرتس، رئيس بعثة الأمم المتحدة في السودان آنذاك، هذه الجرائم في تقريره أمام مجلس الأمن في مارس 2022، مشيراً إلى تعرّض عدد من النساء للاغتصاب على يد القوات النظامية، لكنه أكد أن “اللجان الحكومية المعنية بالتحقيق في ادعاءات الانتهاكات لم تُسفر حتى الآن عن نتائج ملموسة”.
في عام 2014، قالت الأمم المتحدة إن الجيش السوداني منع بعثة حفظ السلام المشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي “يوناميد” من دخول بلدة في إقليم دارفور للتحقيق في مزاعم اغتصاب جماعي استهدف نحو 200 امرأة وفتاة.
الانتهاكات أداة للترهيب والتشريد
يأتي هذا الغياب للتحقيقات رغم تأكيد تقارير حقوقية أن هذه الانتهاكات ليست عشوائية فحسب، بل يُشتبه في استخدامها كأداة للترهيب والتشريد، وفي بعض الحالات كجزء من سياسة تهدف إلى تفكيك النسيج الاجتماعي وإرهاب السكان.
في هذا السياق، يشدّد الصحفي والمحلل السياسي محمد المختار محمد على ضرورة فتح تحقيقات مستقلة وشفافة لكشف حجم الانتهاكات وإنصاف الضحايا، وقال: “استخدم مقاتلون من الجيش ومليشيات أخرى سلاح الاغتصاب في كل الحروب السابقة في الجنوب ودارفور وغيرها، لكن لم تُجرَ حتى الآن أي تحقيقات مستقلة تكشف حجم الجرائم المرتكبة”.
تكشف مأساة النساء في السودان عن وجه آخر للحرب، يتجاوز خطوط القتال إلى استهداف الكرامة الإنسانية ذاتها. ومع استمرار النزاع وتفاقم الأزمة الإنسانية، يبقى السؤال الأهم: هل يتحرك المجتمع الدولي والجهات الوطنية نحو مساءلة حقيقية توقف هذه الجرائم، أم يظل جسد المرأة السودانية ساحة مفتوحة لحرب بلا ضمير؟















