بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

اجتماع أول لـ”مجلس السلام” في واشنطن يطلق تعهّدات بـ17 مليار دولار وخطة لقوة دولية لاستقرار قطاع غزة

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

انعقد الاجتماع الأول لـ”مجلس السلام” في واشنطن برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في مشهد يعكس تحوّلاً لافتاً في مقاربة المجتمع الدولي لمرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة، وسط تعهّدات مالية كبيرة وخطط أمنية طموحة. المبادرة التي طُرحت كإطار لإعادة الإعمار والاستقرار، تتجاوز البعد الإنساني لتلامس جوهر المعادلة السياسية والأمنية في القطاع، ما يجعلها مشروعاً محفوفاً بالتحديات بقدر ما هو محمّل بالوعود.

في الشق المالي، أعلنت الولايات المتحدة مساهمة قدرها 10 مليارات دولار لصندوق “مجلس السلام” المخصص لإعادة إعمار غزة. كما تعهّدت تسع دول أخرى بمساهمات تتجاوز 7 مليارات دولار إضافية. وشملت قائمة الدول المانحة الإمارات العربية المتحدة التي أعلنت تقديم 1.2 مليار دولار، إلى جانب قطر والسعودية والكويت والمغرب وكازاخستان وأذربيجان والبحرين وأوزبكستان ضمن حزمة التعهّدات الإجمالية.

بذلك يتجاوز مجموع الالتزامات المالية الأولية 17 مليار دولار، وهو رقم غير مسبوق منذ سنوات الحرب، لكنه لا يغطي سوى جزء من الاحتياجات. إذ تشير تقديرات دولية إلى أن تكلفة إعادة إعمار القطاع قد تصل إلى نحو سبعين مليار دولار، ما يعني أن الفجوة التمويلية لا تزال واسعة، وأن التعهّدات الحالية تمثل مرحلة أولى في مسار طويل يتطلب التزامات إضافية وضمانات تنفيذ شفافة.

قوة دولية من عشرين ألف جندي

إلى جانب التمويل، يشكّل البعد الأمني الركيزة الأكثر حساسية في المبادرة. فقد أُعلن عن تشكيل قوة استقرار دولية متعددة الجنسيات يُخطط أن يبلغ عددها نحو 20 ألف جندي، على أن يبدأ انتشارها من جنوب القطاع قبل التوسع تدريجاً إلى مناطق أخرى.

أكدت إندونيسيا التزامها بإرسال ما يصل إلى 8 آلاف جندي، في أكبر مساهمة عسكرية معلنة حتى الآن. كما أعلنت كل من المغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا استعدادها لإرسال قوات ضمن القوة الدولية، من دون تحديد الأعداد الدقيقة لبقية الدول في هذه المرحلة. 

في موازاة ذلك، ستتولى مصر والأردن تدريب ما يقارب 12 ألف عنصر من الشرطة الفلسطينية، ضمن برامج تهدف إلى بناء جهاز أمني محلي قادر على تسلّم المهام تدريجاً، بحيث تتكامل القوة الدولية مع جهاز شرطي فلسطيني يجري تأهيله.

هذه الأرقام تعكس حجم الطموح في إعادة ضبط المعادلة الأمنية، لكنها في الوقت ذاته تفتح باب التساؤلات حول طبيعة التفويض القانوني للقوة الدولية، وحدود صلاحياتها، وآليات التنسيق مع الأطراف المحلية.

تحفظ سيادي ومخاوف سياسية

أبدت حركة “حماس” موقفاً حذراً تجاه المبادرة، مؤكدة أن أي ترتيبات في غزة يجب أن تنطلق من وقف شامل للعمليات العسكرية ورفع الحصار. وترى الحركة أن وجود قوات أجنبية داخل القطاع لا يمكن أن يُفرض من دون توافق وطني فلسطيني، محذّرة من أن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تتحول إلى مدخل لإعادة تشكيل المشهد السياسي أو إقصاء قوى قائمة.

في المقابل، لم تُغلق “حماس” الباب أمام الدعم الإنساني، بل أعلنت استعدادها للتعاون في ما يخفف معاناة السكان، شرط ألا يُستغل ذلك سياسياً وألا يمس بما تعتبره “القرار الوطني”.

بدورها، تعاملت السلطة الفلسطينية مع “مجلس السلام” كفرصة محتملة لاستعادة حضورها في غزة بعد سنوات من الانقسام، لكنها شددت على أن إعادة الإعمار يجب أن تتم عبر مؤسساتها الشرعية والمعترف بها دولياً.

القيادة الفلسطينية أكدت ضرورة توحيد الضفة الغربية والقطاع تحت إدارة سياسية واحدة، ورفضت أي صيغة قد تكرّس الفصل بين الجغرافيا الفلسطينية. وهي تدعم الجهد الدولي من حيث المبدأ، لكنها تتحفظ على أي ترتيبات انتقالية لا تمر عبر قنواتها الرسمية أو تضعف موقعها التمثيلي.

أولوية الأمن ومنع عودة التسلّح

أما إسرائيل، فتنظر إلى “مجلس السلام” من زاوية أمنية دقيقة. فهي تشترط أن تضمن أي قوة دولية منع إعادة بناء القدرات العسكرية لحماس، وأن تكون قادرة على ضبط الحدود ومنع تهريب السلاح بشكل فعلي. كما تصرّ على تنسيق أمني كامل معها، خصوصاً في ما يتعلق بالمعابر والمجال البحري، مع احتفاظها بحق التدخل عند ما تعتبره تهديداً مباشراً لأمنها.

في الوقت ذاته، تبدي إسرائيل حذراً تجاه عودة غير مشروطة للسلطة الفلسطينية إلى غزة، معتبرة أن أي استقرار طويل الأمد يتطلب إصلاحات جوهرية في البنية الأمنية الفلسطينية.

بين المال والسياسة.. اختبار المرحلة المقبلة

تجمع مبادرة “مجلس السلام” بين 17 مليار دولار تعهّد بها المانحون، وخطة لنشر 20 ألف جندي دولي، وبرنامج لتدريب 12 ألف عنصر شرطة فلسطيني. غير أن نجاحها لن يُقاس بحجم الأرقام وحدها، بل بقدرتها على إنتاج معادلة سياسية وأمنية قابلة للحياة.

غزة ليست مُجرّد ملف إعادة إعمار، بل ساحة تتقاطع فيها شرعيات متنافسة ورؤى متضاربة لمستقبل الحكم والأمن. وإذا لم يتم التوصل إلى صيغة توازن بين متطلبات الأمن الإسرائيلي، وطموحات السلطة الفلسطينية، وحضور “حماس” على الأرض، فقد تبقى القوة الدولية مجرّد إطار إداري هش.

يفتح “مجلس السلام” نافذة أمل لإعادة البناء، لكنه في المقابل يضع الجميع أمام اختبار حقيقي: هل يمكن تحويل التعهّدات المالية والخطط العسكرية إلى استقرار دائم، أم أن الانقسام السياسي سيعيد إنتاج الأزمة بصيغة جديدة؟ الإجابة ستتحدد في الأسابيع والأشهر المقبلة، حيث سيُختبر المشروع، ليس في قاعات الاجتماعات، بل في واقع غزة المعقّد.