في أعقاب انتهاء الجولة الثانية من مفاوضات جنيف بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، بدا المشهد في المنطقة وكأنه على شفير الانفجار. بينما سعى الجانب الإيراني لعرض تفاؤل حول مسار المحادثات ومبادئ التفاهم الأولية، أبلغ كبار مسؤولي الأمن القومي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن الجيش أصبح جاهزاً لتنفيذ ضربات محتملة ضد إيران ابتداءً من نهاية الأسبوع الجاري.
النقاشات داخل البيت الأبيض مستمرة ومتغيرة، والقرار النهائي بيد الرئيس، وسط استعدادات عسكرية غير مسبوقة تشمل تعزيزات جوية وبحرية وإمكانية شن حملة قد تمتد لأسابيع، بما يتجاوز نطاق “الضربة المحدودة” إذا فشلت المساعي الدبلوماسية.
استعدادات أمريكية واسعة النطاق
التوصيف الأمريكي لا يقتصر على ضربة محدودة، بل يُشير إلى قدرة على شن حملة جوية قد تمتد لأسابيع، تشمل ضربات على أهداف استراتيجية وبرامج الصواريخ النووية الإيرانية. تتضمن هذه الاستعدادات إرسال حاملتي طائرات إلى المنطقة، هما “يو إس إس أبراهام لينكولن” و”يو إس إس جيرالد فورد”، بالإضافة إلى سُفن مرافقة متعددة مزودة بأنظمة دفاعية متقدمة. كما تم تعزيز القوة الجوية بنقل مقاتلات شبحية من طراز “إف-35” و”إف-22″، إلى جانب مقاتلات “إف-16” وطائرات الدعم والإمداد لضمان القدرة على شن حملة طويلة دون انقطاع.
يشمل الانتشار البحري الأمريكي الدوريات في مضيق هُرمز والمياه الإقليمية المحيطة، مع تعزيز القدرات الاستخباراتية ووسائل القيادة والتحكم. أما في الجو، فتم تعزيز طلعات الاستطلاع والمراقبة، وعمليات التزود بالوقود جوياً، كما جرى نشر طائرات للإنذار المبكر والحرب الإلكترونية لتعطيل أنظمة الرادار الإيرانية في حال المواجهة.
مناورات الحرس الثوري الإيراني
على الجانب الإيراني، أجرى الحرس الثوري مناورات في مضيق هُرمز وبحر عُمان، متضمنة استخدام وحدات الصواريخ والطائرات المسيّرة. وأعلن الحرس الثوري فرض قيود على حركة السفن خلال التدريبات، لاختبار جاهزيته لمواجهة أي هجوم محتمل. كما قامت طهران بتدريب قواتها على سيناريوهات الرد على الضربات الجوية والبحرية الأمريكية، بما يشمل فرض قيود على المضيق وقدرتها على تعطيل حركة الملاحة إذا قررت القيادة العليا ذلك.
وسط هذه التوترات، أعلنت عدة دول، من بينها بولندا، عن ضرورة مغادرة مواطنيها الأراضي الإيرانية فوراً، محذرة من أن أي تصعيد عسكري قد يجعل الإجلاء مستحيلاً خلال ساعات. التحذيرات شملت أيضاً نصائح للحدّ من السفر إلى إيران والتنسيق مع السفارات لتأمين سلامة المواطنين، وهو مؤشر على جدية التصعيد المتوقع في المنطقة.
تعزيزات إضافية للقواعد الأمريكية
القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط دخلت مرحلة استعداد قصوى، شملت تشديد الإجراءات الأمنية، ونشر أنظمة دفاع جوي إضافية، وتحديث خطط الإخلاء للطوارئ، وتوزيع القوات بشكل يقلل من قدرتها على الاستهداف بضربة واحدة. هذه الإجراءات تعكس إدراكاً أمريكياً بأن أي مواجهة مع إيران لن تبقى محصورة جغرافياً، بل قد تمتد إلى أذرع طهران الإقليمية مثل حزب الله اللبناني وجماعة الحوثي في اليمن.
في موازاة التعزيزات الأمريكية، رفعت إسرائيل مستوى جاهزيتها الدفاعية والهجومية، مع تعزيز التنسيق الاستخباري والعملياتي مع واشنطن. وقد شمل ذلك تبادل بيانات الأهداف المحتملة وتقديرات الوضع الميداني لضمان انسجام أي تحرك عسكري محتمل، خصوصاً مع رفع جاهزية منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية وإجراء مناورات تحسباً لأي سيناريو.
بالإضافة إلى إسرائيل، كثفت دول خليجية استعداداتها، بما يشمل رفع مستوى الأمن في المنشآت الحيوية ومرافقة السفن التجارية في المياه الإقليمية. هذه التحركات تأتي في إطار الحفاظ على الأمن البحري واستعداداً لأي تأثير مُحتمل للصراع على إمدادات النفط العالمية.
أذرع إيران في المنطقة
تلعب إيران دوراً محورياً من خلال أذرعها الإقليمية، التي تشكل شبكة ضغط استراتيجية في عدة دول. في لبنان، يظل حزب الله القوة الأساسية القادرة على تنفيذ هجمات صاروخية ضد إسرائيل والتأثير على استقرار لبنان. في اليمن، تستعد جماعة الحوثي المدعومة من طهران لإطلاق صواريخ باليستية وطائرات مُسيرة، مستغلة الاضطراب الإقليمي لتعزيز موقفها العسكري والسياسي.
في العراق، توفر الميليشيات المسلحة المُؤيدة لإيران قاعدة للتخطيط والتدريب، مع إمكانية مهاجمة المصالح الأمريكية أو التصدي لأي هجوم على الأراضي الإيرانية من خلالها. هذه الأذرع تجعل أي ضربة أمريكية مباشرة لإيران محفوفة بالمخاطر، لأن ردود الفعل الإقليمية قد تتوسع لتشمل عدة جبهات، بما يزيد احتمالات التصعيد الشامل.
القرار النهائي بيد ترامب
على الرغم من كل هذه التحركات، يبقى القرار النهائي بيد ترامب، الذي يوازن بين إظهار الحزم العسكري وتجنّب حرب مفتوحة. التعزيزات تمنحه ورقة ضغط قوية، لكنها أيضاً ترفع سقف التوقعات بشأن التحرك. كلما ازداد حجم الحشود العسكرية، ازدادت احتمالات التصعيد وسوء الحسابات، لذلك تحرص واشنطن على إبقاء الرسائل مزدوجة: الاستعداد الكامل، مع إبقاء مجال الدبلوماسية مفتوحاً.
الرسالة الأمريكية من خلال هذه التعزيزات واضحة: أي تصعيد من جانب طهران سيواجه بردّ سريع وحاسم. غير أن طهران قد تعتبر الحشد تمهيداً لضربة، ما يدفعها إلى تعزيز دفاعاتها وتحريك أذرعها الإقليمية. المنطقة اليوم أمام مشهد غير مسبوق من الحشد العسكري المتقابل: تعزيزات بحرية وجوية، رفع جاهزية، تحديث خطط الطوارئ، وتنسيق إقليمي مكثف، كلها عوامل تشير إلى أن خيار القوة لم يعد مجرّد تهديد نظري، بل احتمال مدعوم بإمكانات جاهزة للتنفيذ.
في النهاية، قد تتحول هذه التعزيزات إلى أداة ردع تعيد الأطراف إلى طاولة التفاوض، أو إلى منصة لانطلاق مواجهة واسعة، بينما يبقى الشرق الأوسط مُعلقاً على قرار واحد قد يُعيد رسم قواعد الاشتباك لسنوات مقبلة.















