بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

اقتصاد جيوساسي

إغلاق مضيق “هُرمز” يدفع أسواق الطاقة إلى الاضطراب.. ومجموعة السبع تلوّح باستخدام الاحتياطيات النفطية الأكبر في التاريخ

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

دخلت حرب إيران مرحلة جديدة من التأثيرات الاقتصادية العالمية، بعدما تجاوزت المواجهة حدود العمليات العسكرية لتطال واحداً من أهم الشرايين الاستراتيجية للتجارة الدولية مضيق “هُرمز”. ومع استمرار التصعيد وإغلاق الممر البحري الحيوي، بدأت تداعيات الأزمة تتردد بقوة في أسواق الطاقة والسلع، كما دفعت القوى الاقتصادية الكبرى إلى التحرك سريعاً لمحاولة احتواء الصدمة.

في هذا السياق، أعلن وزراء طاقة “مجموعة السبع” استعدادهم لاتخاذ جميع الإجراءات اللازمة بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية لمواجهة الارتفاع الحاد في أسعار النفط الناتج عن الحرب في الشرق الأوسط. جاء الإعلان عقِب اجتماع افتراضي لقادة المجموعة برئاسة فرنسا، التي تتولى الرئاسة الدورية، لمناقشة التداعيات الاقتصادية المتزايدة للصراع.

مضيق “هُرمز”.. العقدة الجيوسياسية

عاد مضيق “هُرمز” إلى واجهة المشهد الدولي بوصفه النقطة الأكثر حساسية في معادلة الطاقة العالمية. فهذا الممر البحري الضيق لا يُمثل مُجرد طريق ملاحي إقليمي، بل عقدة استراتيجية تتحكم في تدفقات ضخمة من النفط والغاز نحو الأسواق الدولية. فجزء كبير من صادرات الطاقة القادمة من الخليج يمر عبر هذا الممر قبل أن يتجه إلى آسيا وأوروبا.

ومع تصاعد العمليات العسكرية في المنطقة، تحولت المياه المحيطة بالمضيق إلى مسرح للتوتر الأمني، حيث ترافقت الضربات الجوية والعمليات البحرية مع مخاوف متزايدة بشأن سلامة الملاحة. وفي محاولة لاحتواء المخاطر، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية استهداف أسطول البحرية الإيراني قرب المضيق، في إطار جهود تأمين حركة السفن التجارية وناقلات النفط.

لكن التوترات الأمنية دفعت شركات الشحن والتأمين البحري إلى اتخاذ إجراءات احترازية، شملت تأجيل بعض الرحلات أو تغيير مساراتها، وهو ما انعكس سريعاً على تدفقات الطاقة في الأسواق العالمية. وتشير تقديرات شركات الاستشارات في قطاع الطاقة إلى أن الاضطرابات الحالية خفّضت فعلياً حجم الإمدادات القادمة من الخليج إلى السوق الدولية بنحو 15 مليون برميل يومياً من النفط، وهو مستوى ضخم يعادل تقريباً 15% من الطلب العالمي، وكفيل بإحداث موجة من التقلبات في الأسعار.

استراتيجية الاحتياطيات النفطية

في مواجهة هذا التطور، ناقشت دول “مجموعة السبع” إمكانية اللجوء إلى الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية لتهدئة الأسواق. وبحسب صحيفة “وول ستريت جورنال” اقترحت وكالة الطاقة الدولية إطلاق أكبر عملية سحب من الاحتياطيات النفطية في تاريخها.

تملك الدول الأعضاء في الوكالة حالياً أكثر من 1.2 مليار برميل من المخزونات النفطية الطارئة، إضافة إلى نحو 600 مليون برميل أخرى من المخزونات الصناعية المحتفظ بها بموجب تفويضات حكومية. وتُلزم الوكالة أعضائها الاحتفاظ باحتياطيات تعادل ما لا يقل عن 90 يوماً من صافي واردات النفط لضمان أمن الطاقة في حالات الطوارئ.

ومن المحتمل أن تصل عملية السحب إلى 400 مليون برميل، وهو رقم يتجاوز بكثير الكمية التي أُطلقت من الاحتياطيات في عام 2022 عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، والتي بلغت 182 مليون برميل آنذاك. إن ضخ مثل هذه الكمية قد يساعد في تعويض نحو 12 يوماً من انقطاع صادرات الخليج، لكنه لا يمثل حلاً دائماً إذا استمر تعطّل الملاحة في مضيق هرمز.

بهذا الشأن، قال وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور، إن بلاده تريد “أن تكون على أهبة الاستعداد للتحرك في أي لحظة، وإذا لم نتمكن من إعادة فتح مضيق هرمز، فسوف نستبدله بنفط آخر سيأتي من أماكن أخرى ويتداول في أنحاء العالم”. مشيراً إلى أن الدول الصناعية الكبرى وجّهت رسالة واضحة للأسواق مفادها أن إمدادات الطاقة لن تُترك رهينة للصراع.

تقلبات أسواق النفط

انعكس المشهد المتأزم سريعاً على أسواق الطاقة العالمية، حيث شهدت أسعار النفط تقلبات حادة خلال الـ 48 ساعة الماضية، ارتفع خلالها سعر خام برنت بنسبة 5.2% ليصل إلى 92.2 دولاراً للبرميل، فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط 5.15% إلى 87.6 دولاراً. وجاء هذا الارتفاع مدفوعاً بالمخاوف من تعطل الإمدادات من الخليج.

وكانت الأسعار قد سجلت قفزة كبيرة في بداية الأسبوع عندما تجاوز الخام الأمريكي مستوى 119 دولاراً للبرميل، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2022، قبل أن تتراجع لاحقاً بعد تقارير تحدثت عن احتمال قرب انتهاء الحرب.

في ظل هذه الظروف لا تزال الأسواق مُعرضة لصدمة أكبر إذا استمر إغلاق مضيق “هُرمز”، إذ قد ترتفع الأسعار إلى 150 دولاراً للبرميل في حال استمرار انقطاع الإمدادات لفترة طويلة.

هامش مرونة الغاز 

لم يقتصر تأثير التوترات على أسواق النفط فحسب، بل امتد إلى أسواق الغاز الطبيعي المسال. فالممر البحري يمثل الطريق الرئيسي للصادرات القادمة من قطر، ثاني أكبر موردي الغاز الطبيعي المسال في العالم، مع شحنات تتجه معظمها إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية.

ومع تصاعد المخاطر الأمنية في المنطقة، بدأت الأسواق تتعامل بحذر مع احتمال تعطل التدفقات، خصوصاً في ظل اعتماد العديد من الاقتصادات الصناعية على الإمدادات القادمة عبر “هُرمز” لتعويض نقص واردات الغاز الروسي إلى أوروبا.

من المهم ملاحظة أن سوق الغاز يتميز بهامش مرونة أقل مقارنة بالنفط، نظراً لأن معظم الإمدادات ترتبط بعقود طويلة الأجل وبشبكات نقل محدودة نسبياً. لذلك فإن أي اضطراب في أحد الممرات الرئيسية يمكن أن ينعكس سريعاً على الأسعار الفورية في آسيا وأوروبا.

المعادن النفيسة.. ملاذات آمنة في زمن الحرب

وسط هذه الأجواء المضطربة، شهدت أسواق المعادن النفيسة تحركات ملحوظة، إذ اتجه المستثمرون إلى الذهب والفضة كملاذات آمنة وسط تصاعد المخاطر الجيوسياسية.

ارتفع سعر الذهب في المعاملات الفورية بنحو 0.4% إلى نحو 5213 دولاراً للأونصة. جاء هذا التحرك في وقت تراقب فيه الأسواق عن كثب البيانات الاقتصادية الأمريكية، وخاصة مؤشر أسعار المستهلكين ومؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، اللذين يُعدان من أهم المؤشرات التي يعتمد عليها مجلس الاحتياطي الاتحادي في تحديد مسار السياسة النقدية.

أما الفضة، فقد شهدت أيضاً مكاسب ملحوظة، حيث ارتفع سعر المعدن في المعاملات الفورية بنسبة 0.6% إلى نحو 89 دولاراً للأونصة.

تستفيد الفضة من عاملين رئيسيين في الوقت الراهن. الأول هو دورها التقليدي كأصل استثماري قريب من الذهب في فترات عدم اليقين، والثاني هو استخدامها الصناعي الواسع في مجالات مثل الإلكترونيات والطاقة الشمسية.

كما ارتفعت أسعار معادن أخرى، مثل البلاتين بنسبة 1% إلى نحو 2221 دولاراً للأونصة، والبلاديوم 1.5% إلى 1679 دولاراً.

اضطرابات طويلة الأمد

عموماً، قد يدفع استمرار الحرب أو توسعها الأسواق إلى مستويات أعلى، خاصة إذا أدى ذلك إلى اضطرابات طويلة الأمد أو تباطؤ في الاقتصاد العالمي. في المقابل، سيؤدي أي انفراج سياسي سريع إلى تراجع جزئي في الأسعار مع عودة المستثمرين إلى الأصول ذات المخاطر الأعلى مثل الأسهم.

من هنا تأتي أهمية التحركات السريعة التي تقودها حالياً “مجموعة السبع” ووكالة الطاقة الدولية لمحاولة احتواء الأزمة ومنع تحولها إلى أزمة اقتصادية عالمية.