تشهد أستراليا تصاعداً ملحوظاً في الخطاب المناهض للهجرة بالتزامن مع صعود التيارات اليمينية المتشددة، حيث نُظمت خلال الأشهر الأخيرة مسيرات في عدد من المدن الكبرى تحت شعار “من أجل أستراليا”، رفعت مطالب بترحيل المهاجرين وإعادة النظر في سياسات الهجرة والتعددية الثقافية.
يُبرر منظمو هذه التحركات مطالبهم بضرورة “الحفاظ على الهوية الوطنية”، معتبرين أن الهجرة المتزايدة والعولمة والتغيرات الديموغرافية تهدد الخصوصية الثقافية للمجتمع الأسترالي. وتجد حكومة رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي نفسها في مواجهة ضغوط متزايدة لإيجاد حلول لأزمتي الإسكان وارتفاع تكاليف المعيشة، بينما تتهمها المعارضة المحافظة بأن سياسات الهجرة الحالية أسهمت في تفاقم الضغوط على البنية التحتية والخدمات العامة.
في المقابل، تؤكد الحكومة أن الاقتصاد الأسترالي ما زال بحاجة إلى تدفق العمالة المهاجرة لسد النقص في قطاعات حيوية، وأن معالجة الأزمة تتطلب توسيع مشاريع الإسكان وتحسين التخطيط السكاني.
كما حظيت بعض التحركات المناهضة للهجرة بدعم إلكتروني من شخصيات يمينية متشددة خارج أستراليا، وتزامنت مع موجة احتجاجات مشابهة شهدتها مدن أوروبية وبريطانية خلال الفترة الأخيرة.
أزمة اقتصادية تغذي الشعبوية
لا يمكن فصل تصاعد النزعات القومية عن التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها البلاد. فارتفاع أسعار السكن وتراجع القدرة الشرائية واتساع المخاوف بشأن فرص العمل وفّرت أرضية خصبة للخطابات الشعبوية التي تربط بين الأزمات الداخلية ومستويات الهجرة.
في هذا السياق، يقول الباحث ستيفن كوبر إن الاحتكاكات المرتبطة بالهجرة والتنوع الثقافي ليست ظاهرة أسترالية خالصة، بل تمثل جزءاً من نقاش أوسع تشهده دول غربية عديدة حول الهوية والانتماء والتماسك الاجتماعي.
في غضون ذلك، شهدت الساحة السياسية تحولات لافتة مع تراجع التأييد التقليدي للحزبين الكبيرين، العمال والليبرالي، وصعود قوى أصغر تتبنى خطاباً أكثر تشدداً تجاه الهجرة، وعلى رأسها حزب “أمة واحدة” اليميني المعروف بمواقفه المناهضة للهجرة والتعددية الثقافية.
جراح الماضي تعود إلى الواجهة
بالتوازي مع جدل الهجرة، عاد النقاش حول حقوق السكان الأصليين إلى واجهة المشهد السياسي والاجتماعي، ليكشف حجم الانقسام القائم بشأن الهوية الوطنية وتفسير التاريخ الأسترالي.
فمنذ وصول المستوطنين البريطانيين في العام 1788، تشكلت روايتان متوازيتان: الأولى تتحدث عن بناء الدولة الحديثة ومؤسساتها، والثانية تتعلق بالشعوب الأصلية التي فقدت أراضيها وتعرضت لسياسات تمييز وإقصاء استمرت لعقود.
ورغم المبادرات الرسمية المتعاقبة، بما في ذلك الاعتذار التاريخي الذي قدمه رئيس الوزراء الأسبق كيفن رود في العام 2008 لما يعرف بـ”الأجيال المسروقة”، لا تزال الفجوات بين السكان الأصليين وبقية المجتمع واسعة في مجالات الصحة والتعليم والدخل وفرص العمل.
ويرى باحثون أن استمرار هذه الفجوات يغذي بدوره السجالات المرتبطة بالهوية والانتماء، ويجعل من الصعب الوصول إلى توافق وطني مستقر حول مفهوم الأمة الأسترالية.
اختبار صعب للتعددية الثقافية
تبقى أستراليا واحدة من أكثر دول العالم اعتماداً على الهجرة في بناء مجتمعها الحديث. فمنذ موجات الهجرة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية وصولاً إلى القادمين من آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا، تشكل مجتمع متعدد الأعراق والثقافات بات جزءاً أساسياً من هوية البلاد.
لكن هذا النموذج يواجه اليوم اختباراً متزايد الصعوبة في ظل الضغوط الاقتصادية وتصاعد الخطابات القومية.
في هذا الإطار، يقول أستاذ علم الاجتماع فتحي منصوري، إن نجاح النموذج الأسترالي على المستوى المؤسسي لا يعني اختفاء التوترات المرتبطة بالشعور بالانتماء. نعم، يفتح التنوع الثقافي المجال أمام التفاعل والاندماج، لكنه يثير أيضاً أسئلة مستمرة حول الهوية الوطنية وحدودها.
ومع تحذيرات الأجهزة الأمنية من تنامي أنشطة جماعات اليمين المتطرف وتزايد الاستقطاب المجتمعي، تبدو أستراليا أمام تحدٍ مزدوج: الحفاظ على نموذجها القائم على التعددية الثقافية، وفي الوقت نفسه معالجة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تغذي الخطابات المناهضة للهجرة، وتعيد إحياء النقاشات القديمة حول الهوية والانتماء.






