بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير ميداني

من مخيم لجوء إلى عقدة أمنية إقليمية.. “الهول”: أكبر خزان بشري لتنظيم “داعش” بعد سقوط “الخلافة”

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

يمثل انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من مخيم الهول في شمالي شرق سوريا تطوراً مفصلياً في واحد من أكثر الملفات الأمنية تعقيداً لمرحلة ما بعد هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”. فالمخيم الذي لطالما أُدير بوصفه حلاً مؤقتاً لاحتواء عائلات التنظيم، عاد فجأة إلى واجهة المشهد، مع تبادل الاتهامات بين “قسد” والجيش السوري، ودخول أطراف دولية، على رأسها التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، في مفاوضات تهدف إلى منع أي فراغ أمني قد تكون له تداعيات إقليمية.

هذا التطور لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للتغيرات الميدانية في الجزيرة السورية، ولا عن الفشل الدولي المستمر في إنتاج مقاربة شاملة لمعالجة ملف آلاف المرتبطين بتنظيم داعش، سواء داخل المخيمات أو في السجون المنتشرة في المنطقة.

هروب السجناء: بوابة محتملة لعودة الإرهاب

يشكّل خطر هروب السجناء المرتبطين بتنظيم “داعش” أحد أخطر التهديدات الأمنية الكامنة في ملف مخيم الهول والسجون المحيطة به. ففرار حتى أعداد محدودة من العناصر المدرَّبة عقائدياً وعسكرياً كفيل بإعادة تنشيط خلايا نائمة، أو تشكيل شبكات جديدة قادرة على تنفيذ هجمات نوعية عابرة للحدود.

أثبتت التجارب السابقة أن التنظيم يعتمد على استراتيجيات “الإنهاك البطيء” وإعادة التموضع، مستفيداً من الفوضى الأمنية والثغرات في منظومات الاحتجاز. لذلك، فإن أي انهيار أو انتقال غير منضبط للسيطرة لا يهدد فقط الأمن المحلي في سوريا، بل يفتح الباب أمام موجة جديدة من الإرهاب تمتد آثارها إلى الإقليم وأوروبا، ما يجعل قضية الهروب ليست تفصيلاً أمنياً، بل عاملاً استراتيجياً في معادلة مكافحة الإرهاب الدولية.

من لجوء مؤقت إلى عقدة أمنية

أُنشئ مخيم الهول العام 1991 لاستيعاب نازحين عراقيين، قبل أن يُعاد فتحه في 2015، ثم يتحول بعد 2019 إلى الوجهة الأساسية لعائلات مقاتلي تنظيم “داعش” الذين سلموا أنفسهم أو أُسروا بعد سقوط “الخلافة”. منذ ذلك الحين، لم يعد المخيم مجرد مساحة إيواء، بل أصبح منطقة احتجاز واسعة تُدار خارج إطار الدولة السورية التقليدية، وتخضع لسلطة الإدارة الذاتية الكردية وقوات سوريا الديمقراطية، بدعم غير مباشر من التحالف الدولي.

هذا التحول البنيوي جعل من الهول حالة استثنائية، لا تنطبق عليها المعايير الكلاسيكية للمخيمات ولا شروط السجون، بل نموذجاً هجيناً يجمع بين الاعتبارات الأمنية والسياسية المؤجلة.

من يضم المخيم اليوم؟

وفق أحدث الأرقام المعلنة في ديسمبر/كانون الأول الماضي، يضم مخيم الهول أكثر من 24 ألف شخص، بينهم نحو 15 ألف سوري، و3500 عراقي، وما يقارب 6200 أجنبي ينحدرون من عشرات الجنسيات. الغالبية الساحقة من القاطنين هم نساء وأطفال من عائلات عناصر تنظيم “داعش”، ما يجعل المخيم أكبر تجمع من هذا النوع في العالم.

وعلى الرغم من التراجع الكبير في الأعداد مقارنة بالعام 2019، حين تجاوز عدد القاطنين 70 ألفاً، فإن هذا الانخفاض يعكس في جوهره عمليات ترحيل جزئية وانتقائية، لا معالجة جذرية للملف. فالبنية الأساسية للمخيم، بوصفه خزاناً بشرياً مرتبطاً بالتنظيم، ما زالت قائمة.

انسحاب “قسد”: الأسباب المعلنة والرهانات الخفية

برّرت قوات سوريا الديمقراطية انسحابها من المخيم بما وصفته غياب الجدية الدولية في التعامل مع ملف “داعش”، ورفض الدول المعنية تحمل مسؤولية رعاياها، إضافة إلى ما اعتبرته تهديدات متزايدة من القوات الحكومية السورية. في المقابل، اتهم الجيش السوري “قسد” بترك المخيم من دون حراسة، ما أدى إلى حالات فرار وإطلاق سراح محتجزين، معلناً جاهزيته لاستلام المخيم وسجون داعش كافة، وهذا ما حصل بالفعل.

في خلفية هذا التراشق، تجري محادثات تقودها الولايات المتحدة، بحسب مصادر متعددة، لترتيب انتقال منضبط للسيطرة على المخيم، في محاولة لتجنب سيناريو الفوضى أو إعادة تنشيط شبكات التنظيم.

“الهول” ضمن منظومة احتجاز “داعش”

لا يشكل مخيم الهول حالة منفصلة، بل جزءاً من منظومة أوسع تضم سبعة سجون رئيسة في شمال شرقي سوريا، تحتجز فيها “قسد” ما بين عشرة واثني عشر ألف عنصر من تنظيم “داعش”، بينهم أجانب. وإذا كانت هذه السجون تمثل البُعد العسكري للتنظيم المهزوم، فإن مخيم الهول يشكل بُعده الاجتماعي والعائلي، حيث تُحفظ الروابط البشرية التي لم تُفكك بعد.

الأحداث الأخيرة في سجن الشدادي، وما رافقها من اتهامات متبادلة بشأن فقدان السيطرة، أعادت تسليط الضوء على هشاشة هذه المنظومة، وعلى المخاطر الكامنة في أي انتقال غير منسق للسلطة.

مخاطر ما بعد الانسحاب

من منظور أمني واستراتيجي، يُنظر إلى مخيم الهول بوصفه تهديداً مؤجلاً أكثر منه أزمة آنية. فالتنظيم الذي خسر السيطرة على الأرض لم يخسر امتداده البشري، ومع مرور الوقت، يصبح عامل الزمن بحد ذاته مصدر قلق، في ظل غياب برامج تفكيك منهجية طويلة الأمد.

هنا، يفتح انتقال السيطرة إلى الدولة السورية الباب أمام سيناريوهات متعددة، تتراوح بين إعادة مركزية الملف، أو احتوائه ضمن ترتيبات أمنية جديدة، أو تحوله إلى نقطة احتكاك إضافية في الصراع المعقد على شمال شرقي البلاد.

اختبار دولي لم يُحسم بعد

يبقى ملف مخيم الهول اختباراً حقيقياً للمجتمع الدولي في مرحلة ما بعد “داعش”. فالدول التي شاركت في الحرب على التنظيم لم تتمكن حتى اليوم من الاتفاق على آلية موحدة لمعالجة تبعاته البشرية، واكتفت بسياسات إدارة الأزمة بدل حلها.

ومع انسحاب “قسد”، لم يعد السؤال فقط من يدير المخيم، بل من يتحمل مسؤولية أحد أخطر إرث تنظيم “داعش”. وحتى تتضح الإجابة، سيظل مخيم الهول عنواناً لفشل دولي في الانتقال من هزيمة التنظيم عسكرياً إلى تفكيكه بنيوياً.