عربية Global Watch
عربية Global Watch

مقالات مشابهة

تقرير ميداني

مؤتمر نواكشوط: شباب إفريقيا ونساؤها في قلب معركة السّلم.. من ضحايا التطرف إلى صُنّاع الأمل

عربية Global Watch
عربية Global Watch

في قارة يتجاوز فيها متوسط العمر 19 عاماً، حيث يشكّل الشباب أكثر من 60% من السكان، وتعيش ملايين النساء في بيئات هشّة اقتصادياً وأمنياً، لم يعد الحديث عن السلم الأهلي في إفريقيا ممكناً دون وضع هاتين الفئتين في مركز المعادلة.

هذا ما عكسته أعمال اليوم الثاني للملتقى السادس للمؤتمر الإفريقي لتعزيز السلم في نواكشوط، برئاسة العلامة الشيخ عبدالله بن بيه رئيس منتدى أبوظبي للسلم، حين خُصصت جلسة كاملة لموضوع “قيمة الشباب والمرأة: صناعة الأمل المنشود”، باعتبارهما الحلقة الأضعف في معادلات التطرف، والأكثر قدرة في الوقت نفسه على قلبها.

التحولات الديموغرافية.. فرصة أم قنبلة موقوتة؟

التحول الديموغرافي في إفريقيا سلاح ذو حدين. فالشباب يمثلون طاقة إنتاجية هائلة إذا ما أُحسن استثمارها، لكنهم أيضاً أكثر عرضة للاستقطاب من قبل الجماعات المتطرفة في بيئات تعاني البطالة، وضعف التعليم، وهشاشة الدولة. اختطاف العقول لا يبدأ بالسلاح، بل بسردية بديلة تُقدَّم للشاب بوصفها معنى للحياة، وانتماءً، ووعوداً بالخلاص الفردي والجماعي.

الجلسة الثالثة من المؤتمر عالجت هذه الإشكالية من زاوية القيم والتمكين، معتبرةً أن إعادة الاعتبار للشباب لا تكون عبر الخطاب الأمني وحده، بل من خلال بناء منظومة أمل واقعية: تعليم نوعي، مشاركة مدنية، قصص نجاح، ومساحات تعبير.

الشباب في مناطق النزاعات بالساحل وغرب إفريقيا غالباً ما يجدون أنفسهم بين خيارين: الهجرة أو الانخراط في شبكات العنف. ومن هنا يصبح الاستثمار في الوعي والهوية والفرص الاقتصادية جزءاً من استراتيجية السلم، لا مجرد سياسة اجتماعية.

المرأة.. الهشاشة المزدوجة في مجتمعات مأزومة

أما المرأة الإفريقية، فهي الضحية الصامتة للنزاعات والتطرف. في كثير من البيئات الهشة، تُستغل المرأة سياسياً وأيديولوجياً، أو تُدفع إلى الهامش الاجتماعي، أو تتحول إلى أداة ضغط في النزاعات المسلحة. ضعف الحماية القانونية، وتراجع أدوار التعليم، وغياب التمكين الاقتصادي، كلها عوامل تجعلها في موقع هشّ أمام موجات التطرف.

المؤتمر، من خلال مداخلات وزارية وأكاديمية وشخصيات نسائية قيادية، سعى إلى إعادة تعريف دور المرأة بوصفها فاعلاً مركزياً في بناء السلم، لا مجرد متلقٍ للحماية. فالمرأة هي الحاضنة الأولى للتنشئة، وهي صمام الأمان داخل الأسرة، وأي مشروع لمكافحة التطرف يتجاهلها يظل مشروعاً ناقصاً.

الرسالة الأساسية كانت واضحة: لا يمكن تحصين المجتمعات من الداخل دون تمكين النساء معرفياً واقتصادياً ومجتمعياً. إعادة الاعتبار لدورها تعني إعادة التوازن للمجتمع نفسه.

من الضحية إلى الشريك.. صناعة الأمل كمقاربة وقائية

تميّزت جلسة الشباب والمرأة بطرحها لفكرة “صناعة الأمل” لا كشعار عاطفي، بل كإطار وقائي ضد التطرف. الأمل هنا يُترجم إلى سياسات: دعم المبادرات الشبابية، إدماج المرأة في صناعة القرار المحلي، تعزيز التعليم الديني المعتدل، وتوسيع الشراكات بين المؤسسات الدينية والمدنية.

هذه المقاربة تعكس تحولاً في فهم معركة السلم في إفريقيا: من المواجهة العسكرية إلى المواجهة الفكرية والاجتماعية. فالتطرف يستثمر في الفراغ، والأمل يملأ هذا الفراغ ببدائل واقعية.

محاور مكملة.. التأصيل والتدابير وبيداغوجيا المستقبل

رغم التركيز على الشباب والمرأة، لم تغفل بقية جلسات اليوم الثاني الأبعاد المكملة. فقد انطلقت الأعمال بتأصيل شرعي وقيمي لمفهوم الأمل، تأكيداً على أن البناء الفكري يشكل قاعدة كل إصلاح. ثم انتقلت النقاشات إلى “التدابير والمبادرات” التي تربط الخطاب بالممارسة، قبل أن تُختتم ببعد تربوي بعنوان “بيداغوجيا الأمل”، ركّز على إصلاح التعليم كمدخل استراتيجي طويل المدى.

هذا التسلسل – من التأصيل إلى المبادرة إلى التربية – يعكس رؤية متكاملة لمعركة السلم في القارة: إعادة بناء الوعي، ثم تمكين الفاعلين، ثم إصلاح المنظومة التربوية لضمان الاستدامة.

معركة طويلة النفس

ما خلص إليه المؤتمر أن معركة ترسيخ السلم في إفريقيا ليست عسكرية بالأساس، بل مجتمعية وثقافية. الشباب والمرأة ليسا فقط أكثر الفئات تضرراً من موجات التطرف، بل هما أيضاً الأكثر قدرة على تحصين المجتمعات إذا أُعيد إدماجهما في مشروع تنموي وقيمي متوازن.

القارة التي تُوصف بأنها “الأصغر سناً” في العالم، تقف أمام اختبار تاريخي: إما تحويل هذه الكتلة البشرية إلى قوة إنتاج وأمل، أو تركها فريسة لاقتصاد العنف والهجرة واليأس.

في هذا السياق، جاء تركيز الملتقى الإفريقي لتعزيز السلم على الشباب والمرأة باعتباره رهاناً استراتيجياً، لا بنداً ثانوياً في جدول أعمال.