يتسلّل التطرف إلى الوعي قبل أن ينفجر في العنف؛ في منطقة صامتة يُعاد فيها ترتيب العالم على نحو أكثر حدّة، وتضيق فيها مساحة الشك، ويتحوّل الاختلاف من تنوّع طبيعي إلى تهديد وجودي. ومن هنا، لم يعد كافياً تفسير التطرف بالفقر أو البطالة أو العمر أو الخلفية الاجتماعية وحدها. فهذه العوامل قد تهيّئ البيئة، لكنها لا تفسّر لماذا ينجذب شخص دون آخر إلى خطاب مغلق، أو كيف تصبح الكراهية، لدى البعض، إجابة جاهزة عن عالم معقّد ومربك. فالمسألة أعمق من الظروف المحيطة؛ إنها تتصل أيضاً بطريقة تفكير الفرد، وحاجته إلى اليقين، وبحثه عن انتماء يمنحه معنى ولو على حساب الآخر.
في جوهر الظاهرة، توجد بنية نفسية ومعرفية أكثر عمقاً. يتقاطع فيها البحث عن اليقين مع الحاجة إلى الانتماء، ويتداخل فيها الخوف من الغموض مع الميل إلى التصنيف الحاد بين “نحن” و”هم”. هنا يصبح خطاب الكراهية أكثر من مجرّد موقف انفعالي أو تعبير أيديولوجي متشدد؛ يتحول إلى منظومة قادرة على إعادة تشكيل الإدراك، وتقديم العالم في صورة مبسطة: عدو واضح، وجماعة نقية، وحقيقة لا تحتمل النقاش.
وتزداد خطورة هذه الدينامية في العصر الرقمي. فالمنصات والخوارزميات لا تنقل الرسائل فقط، بل قد تسهم أحياناً في تضخيمها، وتكرارها، وإحاطة الأفراد ببيئات معلوماتية مغلقة. داخل هذه البيئات، لا يعود التطرف قفزة مفاجئة، بل مساراً تدريجياً تتراكم فيه القناعات، وتتصلب الهوية، ويصبح العنف الرمزي أو المادي قابلاً للتبرير باسم الدفاع عن الجماعة أو العقيدة أو الحقيقة المطلقة.
ملامح نفسية تكشف الكثير
لفهم هذا المسار، لا يكفي النظر إلى المؤشرات الظاهرة مثل العمر أو الجنس أو المستوى التعليمي. فالدراسات الحديثة في علم النفس المعرفي تشير إلى ما يمكن وصفه بـ”البصمة السيكولوجية” للعقل الأكثر قابلية للتطرف؛ أي مجموعة من السمات النفسية والمعرفية التي قد تجعل بعض الأفراد أكثر ميلاً إلى الانغلاق، وأكثر استعداداً لتبنّي مواقف جامدة أو تبرير العنف باسم فكرة كبرى.
لا يعني ذلك أن من يمتلك هذه السمات سيتحول بالضرورة إلى متطرف. غير أن تفاعلها مع بيئة اجتماعية أو رقمية مشحونة قد يرفع قابلية الفرد للاستقطاب. فبعض الأفراد يُظهرون ميلاً إلى الحذر المعرفي، أو بطئاً نسبياً في معالجة المعلومات المعقدة، أو صعوبة أكبر في التعامل مع الغموض. وقد يقترن ذلك بضعف في الذاكرة العاملة، وهي القدرة الذهنية التي تساعد الإنسان على تنظيم المعلومات والاحتفاظ بها أثناء التفكير والتحليل واتخاذ القرار.
في المقابل، قد تتداخل هذه الخصائص مع سمات شخصية أكثر اندفاعاً، مثل البحث عن الإثارة أو الاستعداد للمخاطرة. وعندما تجتمع الحاجة إلى يقين واضح مع قابلية أعلى للسلوك الخطر، يصبح الخطاب المتطرف أكثر جاذبية؛ لأنه يقدم إجابات نهائية، ويختصر التناقضات، ويمنح الفرد شعوراً بأنه يرى الحقيقة كاملة بينما الآخرون غافلون أو متواطئون.
وتكشف أرقام دراسة عرضتها “جامعة كامبريدج”، ضمن عينة أمريكية محددة، أن الاعتماد على المؤشرات الديموغرافية وحدها يمنح قدرة تفسيرية محدودة في نموذج الدراسة. ففي حالة المحافظة السياسية والقومية، لم تتجاوز القدرة التنبؤية للعوامل الديموغرافية 8%، لكنها ارتفعت إلى 32.5% عند إضافة السمات السيكولوجية والمعرفية إلى التحليل. وفي ما يتعلق بالدوغمائية، أي تصلب الرأي ومقاومة الأدلة المخالفة، انتقلت القدرة التنبؤية من 1.53% إلى 23.6%. أما في ما يخص التدين كما عرّفته الدراسة، فارتفعت من 2.9% إلى 23.4%.
هذه الأرقام لا تقدم وصفة جاهزة للتنبؤ بالتطرف، لكنها تحمل رسالة واضحة: لا يمكن فهم الانغلاق الأيديولوجي عبر التصنيف الاجتماعي وحده. فالعقل المتطرف لا يتشكل من الخارج فقط، بل يتأثر أيضاً بطريقة معالجة المعلومات، والاستجابة للغموض، والحاجة إلى الانتماء واليقين.
من الانتماء إلى الاستقطاب
لا ينمو التطرف في فراغ. فالفرد يحتاج إلى جماعة تمنحه المعنى، وإلى سردية تفسر له موقعه في العالم، وإلى “آخر” يجري تقديمه بوصفه خطراً أو خصماً أو سبباً للأزمة. من هنا تبرز الهوية الاجتماعية باعتبارها أحد المفاتيح الأساسية لفهم خطاب الكراهية.
يميل الإنسان بطبيعته للانتماء إلى جماعات تمنحه الأمان والتقدير والاعتراف. لكن الجماعات المتطرفة تعيد توظيف هذا الميل بطريقة حادة. فهي لا تكتفي بتعزيز الانتماء، بل تدفعه نحو الولاء المطلق. ولا تكتفي بتمييز الجماعة عن غيرها، بل تحوّل الاختلاف إلى صراع وجودي.
عند هذه اللحظة، لا يعود “الآخر” مجرّد مختلف في الرأي أو الهوية، بل يصبح تهديداً يجب عزله أو إقصاؤه أو مواجهته. وتعمل سرديات الكراهية على تثبيت هذه الثنائية: “نحن” أصحاب الحق أو الضحايا أو الحماة، و”هم” مصدر الخطر أو الخيانة أو الفساد. وبهذه الصياغة، يصبح العنف أسهل تبريراً؛ لا بوصفه اعتداءً، بل باعتباره دفاعاً عن الجماعة.
وتبلغ هذه الدينامية ذروتها في ما يعرف بـ”الاندماج الهوياتي”، حين تتلاشى المسافة بين الفرد وجماعته. عندها، لا يُفسر أي نقد للجماعة على أنه موقف خارجي، بل كاعتداء مباشر على الذات. وهنا يصبح الاستعداد للتضحية أو تبنّي السلوك المتطرف أكثر احتمالاً، لأن الفرد لا يدافع فقط عن فكرة، بل عن صورته عن نفسه داخل الجماعة.
الانحيازات المعرفية وغرف الصدى
المسار لا يكتمل من دون الانحيازات المعرفية التي تؤثر في طريقة استقبال الإنسان للمعلومات. ويأتي في مقدمتها “الانحياز التأكيدي”، أي ميل الفرد إلى البحث عما يؤكد قناعاته السابقة، وتجاهل ما يناقضها أو يضعها موضع اختبار.
في البيئات المتطرفة، يتحول هذا الانحياز من ميل نفسي عادي إلى آلية لإغلاق التفكير. فالمعلومة لا تُفحص بوصفها دليلاً قابلاً للنقاش، بل تُستخدم لتأكيد موقف قائم مسبقاً. وكلما تعرض الفرد لمحتوى يعزز قناعته، ازداد شعوره بأنه يمتلك الحقيقة، وأن المخالف ليس مجرّد صاحب رأي آخر، بل مضلل أو خائن أو عدو.
وتضاعف الفضاءات الرقمية أثر هذه الآلية في بعض السياقات. فحين يتكرر المحتوى نفسه، وتُعاد الشعارات ذاتها، وتُستحضر المخاوف نفسها، تتشكل غرف صدى قد تدفع الأفراد إلى مواقف أكثر حدة. ومع الوقت، لا يعود الاستقطاب نتيجة مباشرة للمعلومة وحدها، بل نتيجة للبيئة التي تحدد ما يراه الفرد، وما يُحجب عنه، وكيف تُفسر له الوقائع.
بهذا المعنى، لا يعمل خطاب الكراهية فقط عبر نشر أخبار مضللة أو لغة عدائية، بل تتجلى قوته الأعمق في بناء عالم معرفي مغلق، يرى فيه الفرد ما يؤكد خوفه وغضبه، ولا يصله إلا القليل مما يربك يقينه، فيعتقد أنه يقترب من الحقيقة، بينما يكون في الواقع محاصَراً داخل دائرة انتقائية من المعلومات والتأويلات والمثيرات الشعورية.
فهم المسار قبل لحظة الانفجار
تكشف هذه المقاربة أن الوقاية من التطرف لا تبدأ عند لحظة العنف، بل قبل ذلك بكثير: عند تشكل القناعات المغلقة، وتضخم الحاجة إلى اليقين، وتحوّل الهوية إلى حصن نفسي ضد العالم. كما تؤكد أن المقاربات الأمنية أو الديموغرافية وحدها لا تكفي، لأنها تراقب السلوك بعد ظهوره، لكنها لا تفسر دائماً كيف تشكلت القابلية له.
المطلوب إذن قراءة أكثر دقة: قراءة ترى الفرد داخل شبكته النفسية والاجتماعية والرقمية، وتفهم كيف تتحول حاجات إنسانية طبيعية، مثل الانتماء والاعتراف والمعنى، إلى مداخل للاستقطاب والكراهية. فالعقل المتطرف لا يظهر فجأة؛ إنه يتشكل خطوة بعد أخرى، في المسافة الضيقة بين الخوف واليقين، وبين الهوية والحقيقة، وبين البحث عن معنى والانجراف نحو سردية لا تسمح بوجود الآخر.




