بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

عودة «داعش» إلى واجهة المشهد الأمني تفتح مرحلة اضطراب جديدة وسط صراع النفوذ في الشرق الأوسط

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

عاد تنظيم تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في الأسابيع الأخيرة، إلى واجهة المشهد الأمني الإقليمي بوصفه عنصر اضطراب نشط في لحظة سياسية وأمنية شديدة التعقيد، تتزامن مع تحولات عميقة في سوريا والعراق، وإعادة ترتيب أدوار القوى الدولية والإقليمية.

هذه العودة لا تعني بأي حال استعادة نموذج “الخلافة” أو السيطرة على أراضٍ واسعة كما حدث في العام 2014، لكنها تعكس انتقال التنظيم إلى صيغة أكثر مرونة وخطورة تقوم على الخلايا الصغيرة، وحرب العصابات، والعمليات النوعية ذات الأثر الرمزي والإعلامي العالي. 

تنظيم الدولة الإسلامية اليوم بلا جغرافيا واضحة، لكنه لا يزال يمتلك القدرة على إرباك المشهد، واستثمار الفراغات الأمنية، وإعادة فرض نفسه لاعباً لا يمكن تجاهله.

الفراغ الأمني السوري بيئة مثالية

يستند صعود نشاط “داعش” الأخير إلى بيئة أمنية هشة، خصوصاً في سوريا، حيث لا تزال مناطق واسعة من البادية والأرياف الشرقية تعاني ضعف السيطرة المركزية وتعدد القوى المسلحة وتداخل الصلاحيات.هذا الواقع، إلى جانب تراجع الضغط العسكري المنهجي مقارنة بسنوات الحرب على التنظيم، أتاح له إعادة تنشيط خلاياه النائمة، وإعادة ربط شبكات التمويل واللوجستيات، واستغلال التناقضات المحلية والقبلية. التنظيم لم يعد يبحث عن السيطرة على المدن، بل عن استنزاف خصومه، وضربهم في نقاط حساسة، وإرسال رسالة مفادها أنه ما زال قادراً على الفعل والتأثير.

شكّل الهجوم الأخير الذي استهدف قوات أمريكية في وسط سوريا، نقطة تحول لافتة في مسار عودة “داعش”. هذا الهجوم لم يكن مجرّد عملية عسكرية محدودة، بل حمل دلالات سياسية وأمنية عميقة. من جهة، أراد التنظيم التأكيد أن الوجود الأمريكي ما زال هدفاً مركزياً في عقيدته القتالية. 

من جهة أخرى سعى لاختبار مدى استعداد واشنطن للاستمرار في الانخراط العسكري في سوريا في مرحلة ما بعد الحرب الكبرى، وهو ما يعكس اختيار هدف أمريكي يؤكد عودة “داعش” إلى دائرة الضوء الدولية، وتثبيت نفسه كتهديد يتجاوز الإطار المحلي، حتى لو كانت إمكاناته الفعلية محدودة مقارنة بالماضي.

ضربات واسعة ورسائل ردع متعددة الاتجاهات

جاء الرد الأمريكي سريعاً وحازماً عبر حملة جوية واسعة استهدفت عشرات المواقع المرتبطة بالتنظيم في عمق البادية السورية. هذا الرد لم يكن مجرّد فعل انتقامي، بل خطوة محسوبة تهدف إلى إعادة ترسيم الخطوط الحمراء. أرادت واشنطن أن تؤكد أن استهداف قواتها لن يمرّ من دون ثمن، وأن أي محاولة من التنظيم لإعادة بناء قدراته ستُواجَه بضربات استباقية. 

في الوقت نفسه، حملت هذه الضربات رسالة إلى الفاعلين الإقليميين مفادها أن الولايات المتحدة، على الرغم من كل الحديث عن الانسحاب وتقليص الالتزامات، لا تزال لاعباً حاضراً وقادراً على التدخل حين تُمسّ مصالحها مباشرة.

السؤال الجوهري الذي يُطرح بشدّة الآن هو: من المستفيد من عودة “داعش” إلى المشهد؟ الجواب الأولي يشير إلى أن التنظيم نفسه هو المستفيد التكتيكي الأبرز، إذ تمنحه هذه العمليات حضوراً إعلامياً وزخماً دعائياً يعوّض خسارته للأرض، ويساعده في التجنيد واستعادة المعنويات. 

في المقابل، قد تستفيد بعض القوى المحلية في إيران وسوريا والعراق من استمرار تهديد داعش لتبرير الإبقاء على تشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة، أو لتعزيز أدوارها الأمنية والسياسية تحت عنوان “مكافحة الإرهاب”. كذلك، يوفّر التهديد “الداعشي” ذريعة دائمة للقوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، للحفاظ على وجود عسكري واستخباراتي في مناطق استراتيجية، ومنع خصومها من ملء الفراغ.

إيران والاستفادة غير المباشرة من الفوضى

تُعد إيران من أكثر الأطراف التي يحيط بها الجدل في هذا السياق. فلا يمكن إغفال أنها قد تستفيد بشكل غير مباشر من حالة عدم الاستقرار العامة التي ترافق تصاعد نشاط “داعش”. إن انشغال الولايات المتحدة وحلفائها بمكافحة التنظيم يخفف نسبياً من تركيزهم على تحجيم النفوذ الإيراني، كما أن هشاشة الدولة السورية تفتح المجال أمام طهران للحفاظ على دور حاسم لحلفائها المسلحين بوصفهم قوى “ضرورية” لضبط الأمن. هذه الاستفادة تبقى ظرفية وجانبية، ولا تعني بأي حال أن إيران ترى في “داعش” حليفاً أو أداة، بل نتاج بيئة فوضوية تتداخل فيها الصراعات.

يوفّر انشغال الولايات المتحدة وحلفائها بمكافحة “داعش” لإيران هامشاً مؤقتاً لتخفيف الضغوط السياسية والعسكرية عنها في ملفات أخرى، ويؤجل محاولات تقليص نفوذها الإقليمي. كما أن هشاشة الدولة السورية تمنح طهران مبرراً للإبقاء على دور مركزي لحلفائها المسلحين، الذين يُقدَّمون بوصفهم قوى ضرورية لضبط الأمن ومنع تمدد التنظيم، على الرغم من أن هذا الدور يخضع لحسابات انتقائية تخدم المصالح الإيرانية أكثر مما يخدم بناء الدولة.

الحدود السورية العراقية

تتجلى هذه الاستفادة بوضوح على الحدود السورية–العراقية، حيث يلعب الحشد الشعبي دوراً أمنياً محورياً. تصاعد تهديد “داعش” يمنحه ذريعة دائمة لتعزيز انتشاره، وتكريس دوره كقوة لا غنى عنها في حماية الحدود ومنع تسلل التنظيم، ما يضمن له نفوذاً عسكرياً مستقلاً ويضعف أي مطالبات بحصر السلاح بيد الدولة. 

تتحول الحدود هنا إلى شريان استراتيجي يربط طهران ببغداد ودمشق، وتمنح عودة “داعش” هذا الشريان غطاءً شرعياً تحت شعار مكافحة الإرهاب. غير أن هذه المعادلة محفوفة بالمخاطر، إذ يتيح نشاط التنظيم للولايات المتحدة تبرير تكثيف ضرباتها، أحياناً في مناطق قريبة من نفوذ الفصائل الموالية لإيران، ما يبقي المنطقة على حافة تصعيد مستمر.

أعادت الهجمات الأخيرة ورد الفعل الأمريكي سوريا إلى قلب معادلة الصراع الإقليمي. واشنطن، عبر تصعيدها ضد “داعش”، تؤكد أنها لن تسمح بتحول البلاد مجدداً إلى ملاذ آمن للتنظيمات المتطرفة، وفي الوقت نفسه تفرض حضورها في معادلة النفوذ بين إيران وتركيا وبقية الفاعلين. هذا الواقع يضع جميع الأطراف أمام معادلة مفتوحة، حيث يتقاطع الإرهاب مع صراع النفوذ، ويصبح “داعش”، على الرغم من ضعفه النسبي، عامل تفجير دائم للتوازنات الهشة.

العمليات الأمنية المحلية وتفكيك الخلايا

على صعيد متصل، أعلنت قوات الأمن الداخلي بريف دمشق عن تفكيك خلية تابعة لـ”داعش” في مدينة داريا. العملية أسفرت عن اعتقال المتزعم و6 من أعضائها، وضبط أسلحة وذخائر ومبالغ مالية معدة للتمويل الإرهابي، في إطار استراتيجية مستمرة لتجفيف منابع الإرهاب ومنع أي تهديد للأمن المجتمعي. 

هذه الخطوة تعكس أن مواجهة التنظيم تتطلب تنسيقاً مستمراً بين الأمن والاستخبارات، وأن استمرار نشاط “داعش” يحتم وجود آليات محلية فعالة لتفكيك الخلايا قبل أن تتسبب في أزمات أمنية أكبر.

إن عودة “داعش” ليست سبب الأزمة بقدر ما هي عرض من أعراضها. التنظيم يستفيد من الفراغات والانقسامات، ويستثمر التحولات السياسية ليعيد فرض نفسه لاعباً مخرّباً. المستفيد الأكبر تكتيكياً هو التنظيم نفسه، بينما تتوزع المكاسب والخسائر بين القوى الأخرى وفق حسابات معقدة. 

إيران تبقى خاسراً استراتيجياً من عودة التنظيم، حتى لو حققت استفادات جانبية محدودة من الفوضى. أما سوريا، فتظل الساحة الأكثر هشاشة، حيث يبدو أن استقرارها ما زال رهينة صراع طويل بين الإرهاب وصراع النفوذ الدولي والإقليمي.