عادت الطائرات الأمريكية في مطلع العام 2026، لتضرب أهدافاً لتنظيم الدولة الإسلامية في العمق السوري، في تصعيد عسكري بدا للبعض مفاجئاً، لكنه في الواقع يعكس انهيار مرحلة كاملة من الرهانات على أن “داعش” انتهى، وأن الوجود الأمريكي يمكن أن ينكمش بلا أثمان.
ما يجري اليوم ليس مجرّد رد أمني على هجوم إرهابي، بل إعادة تموضع سياسي وعسكري أمريكي في سوريا، يقوم على منطق بسيط وحاسم مفاده أن الانسحاب لا يلغي التهديد، بل يمنحه فرصة جديدة لإعادة التشكل.
شكّل الهجوم الذي استهدف قوات أمريكية قرب تدمر في أواخر 2025، وأسفر عن مقتل جنود ومرافق مدني، لحظة فاصلة. لم يكن حادثاً معزولاً ولا خرقاً أمنياً عابراً، بل إشارة واضحة إلى أن تنظيم الدولة، على الرغم من خسارته الجغرافيا والسلطة العلنية، لا يزال يحتفظ بقدرة هجومية قادرة على إرباك المشهد وفرض نفسه كلاعب تخريبي في لحظة الفراغ.
داعش بعد “الهزيمة”.. تنظيم بلا أرض لكنه بلا قيود
يتمثّل الخطأ الاستراتيجي الذي وقعت فيه القوى الدولية خلال السنوات الماضية، في الخلط بين هزيمة “داعش” ككيان جغرافي وبين القضاء عليه كتنظيم أيديولوجي وعسكري. التنظيم لم يعد بحاجة إلى السيطرة على مدن ليكون خطراً، بل أعاد تعريف نفسه كشبكة مرنة من الخلايا المتنقلة، تستثمر في الصحارى والمناطق الهشة أمنياً، وتعمل على ضرب أهداف نوعية بدل السيطرة المستدامة.
شكّلت البادية في سوريا، الممتدة من تدمر إلى دير الزور، بيئة مثالية لهذا النمط الجديد. فراغات أمنية، تشابك نفوذ بين قوى محلية ودولية، وضعف التنسيق الميداني، كلها عناصر سمحت لهذا التنظيم بإعادة تنظيم صفوفه بعيداً عن الأضواء، بانتظار لحظة اختبار الإرادة الدولية.
من الرد إلى المبادرة: التحول في العقيدة الأمريكية
الضربات الأمريكية الأخيرة تمثل انتقالاً واضحاً من منطق الردّ المحدود إلى منطق الضغط الاستباقي. واشنطن لم تكتفِ باستهداف منفذي الهجوم، بل أطلقت حملة أوسع لضرب البنية المتبقية للتنظيم، من مخابئه ومعسكراته إلى شبكاته اللوجستية. الرسالة هنا مزدوجة: لا تسامح مع استهداف القوات الأمريكية، ولا رهان على أن تقليص الوجود العسكري يعني تقليص القدرة على الفعل.
يعكس هذا التحول إدراكاً متأخراً بأن سياسة الانكماش التي طُبّقت بعد العام 2019 خلقت أوهام استقرار أكثر مما صنعت أمناً حقيقياً. فالتنظيمات الجهادية لا تقرأ الانسحاب كإشارة حسن نية، بل كنافذة فرصة.
سوريا مجدداً ساحة اختبار للردع الأمريكي
العودة إلى سوريا بهذا الشكل ليست معزولة عن السياق الدولي الأوسع. الولايات المتحدة، التي تواجه تحديات أمنية في أكثر من ساحة، من أوكرانيا إلى شرق آسيا، لا تستطيع تحمل صورة قوة تتراجع تحت الضغط غير النظامي. لذلك، فإن الضربات ضد “داعش” تحمل بعداً رمزياً يتجاوز سوريا، وتخاطب الخصوم والحلفاء على حدّ سواء.
في الداخل السوري، تحمل العمليات الأمريكية أثراً مباشراً على التوازنات المحلية. فهي تضيق الخناق على قدرة “داعش” على استغلال التوترات بين القوى المسيطرة، وتعيد التأكيد على أن واشنطن ما زالت لاعباً أمنياً لا يمكن تجاوزه، حتى مع تقليص عديد قواتها.
التنسيق الإقليمي وحدود البراغماتية
اللافت في هذه الجولة من الضربات هو مستوى التنسيق الإقليمي، وخصوصاً مع الأردن، ما يعكس إدراكاً متبادلاً بأن خطر “داعش” لم يعد محلياً بل عابراً للحدود. هذا التنسيق لا يعني بالضرورة تحالفات سياسية جديدة، لكنه يؤشر إلى براغماتية أمنية تفرضها الوقائع، حيث يصبح منع عودة التنظيم أولوية تتقدم على الخلافات السياسية.
في المقابل، يبقى التنسيق مع دمشق محاطاً بالحذر والحد الأدنى من البراغماتية. فواشنطن لا تسعى إلى شراكة سياسية، لكنها تدرك أن تجاهل الدولة السورية في ملف مكافحة “داعش” لم يعد عملياً، خصوصاً مع تغيّر المشهد الداخلي وتبدل موازين القوى.
التصعيد الأمريكي في هذا التوقيت بالذات يعكس تراكب عوامل عدة: اختبار “داعش” للخطوط الحمراء، حساسية سقوط قتلى أمريكيين، وتقدير استخباري بأن التنظيم في مرحلة إعادة تشكل خطرة. كما يعكس رغبة الإدارة الأمريكية في استعادة زمام المبادرة بدل الاكتفاء بإدارة المخاطر.
الضربات ليست إعلان حرب مفتوحة، لكنها أيضاً ليست عملية رمزية. إنها رسالة بأن مرحلة التساهل مع “داعش ما بعد الهزيمة” انتهت، وأن التنظيم سيبقى تحت الضغط المستمر، حتى من دون وجود أمريكي كثيف على الأرض.
ما بعد الضربات: احتواء لا اجتثاث
على الرغم من حدّة العمليات، لا توحي الاستراتيجية الأمريكية الحالية بنية اجتثاث “داعش” نهائياً، بقدر ما تهدف إلى احتوائه ومنعه من التحول إلى تهديد استراتيجي. هذا يعكس واقعية قاسية مفادها أن التنظيمات الجهادية لا تُمحى بالكامل، بل تُدار وتُستنزف وتُحاصر.
لكن هذا الخيار يحمل مخاطره أيضاً. فسياسة الاحتواء الطويلة تتطلب التزاماً استخبارياً وعسكرياً مستمراً، وتفترض وجود حد أدنى من الاستقرار المحلي، وهو أمر لا يزال هشاً في سوريا.
ما تفعله الولايات المتحدة اليوم في سوريا ليس عودة إلى الحرب الشاملة، ولا استمراراً لسياسة الانسحاب، بل محاولة لإعادة ضبط المعادلة بين الوجود المحدود والقدرة على الردع. “داعش”، من جهته، أثبت مرة أخرى أنه تنظيم يتغذى على الفراغ ويختبر الحدود، وأن تجاهله لا يؤدي إلا إلى عودته بأشكال أكثر خطورة.
سوريا، مرة أخرى، تتحول إلى مرآة لسياسات القوى الكبرى: حيث لا نهاية نظيفة للحروب، ولا انتصار نهائي على الفوضى، بل إدارة مستمرة لصراع طويل النفس، عنوانه الأبرز أن الإرهاب لا يموت بالبيانات، بل يُكبح بالقوة حين يفشل الوهم.















