انتشر على وسائل التواصل منشورٌ يقول إن طالبان “أعلنت رسمياً عودة العبودية إلى أفغانستان” وأن “نظام الغُلام”، الذي يأخذ الأطفال كعبيدٍ جنسيين وخدم قد عاد. الصياغة درامية، لكنها ليست القصة الدقيقة. الحكاية الأشدّ قسوةً هنا لا تأتي عبر بيانٍ سياسي صريح، بل عبر وثيقة قضائية/إجرائية قيل إنها وُزِّعت على المحاكم للتطبيق. وتتضمن، بحسب منظمة حقوقية، تقسيماتٍ لفظية مثل “حر/عبد” وذكر “الغُلام”، مع نظامٍ طبقي للعقوبات يمنح “العالِم” معاملة مختلفة عن “الدون”.
قالت منظمة “رواداري” في بيانٍ مفصّل إنها حصلت على نسخة من وثيقة بعنوان “Criminal Procedure Code for Courts” (مدوّنة/أصول إجراءات المحاكم) موقّعة من زعيم طالبان هبة الله أخوند زاده، وصادرة بتاريخ 4 يناير 2026، ومكوّنة من 3 أقسام و10 فصول و119 مادة، جرى تعميمها على المحاكم في الولايات للتطبيق.
تعاملت وسائل إعلام ومنصات أفغانية مع البيان بوصفه إنذاراً، ليس لأن طالبان أعلنت “عودة الرق” بخطابٍ رسمي، بل لأن “لغة القانون” نفسها، إن صحت نصوصها كما نُقلت، تُدخل العبودية كـ”صفة قانونية” إلى وثيقة تُستخدم داخل القضاء.
المدونة: كلمة تُعيد تصنيف البشر داخل المحكمة
“رواداري” تقول إن المدونة تُشير إلى “العبد” بوصفه توصيفاً حاضراً في النص، وتستشهد بمثالٍ يتضمن عقوبة تعزيرية تُطبَّق “سواء كان الجاني حراً أو عبداً”.
هذه الصياغة، مهما حاول المدافعون وصفها بـ “الاصطلاح الفقهي”، تُعيد، من منظور حقوقي، فكرة “الإنسان الذي يُعرَّف بملكية غيره” إلى نص رسمي. وهنا تصبح المخاوف مركّبة: لأن القانون الحديث لا يتعامل مع “العبد” كتصنيفٍ ممكن أصلاً؛ بل يعدّ الرق محظوراً كلياً. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ينص صراحةً: “لا يجوز استرقاقُ أحد أو استعبادُه” (المادة 4). والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية يحظر الرق والسخرة (المادة 8). أما اتفاقية الرق لعام 1926 فتعرف الرق بأنه “وضع أو حالة شخص تُمارَس عليه سلطات ناشئة عن حق الملكية”.
وأدرجت لجنة القانون الدولي بالأمم المتحدة حظر الرق ضمن قائمة “القواعد الآمرة” (Jus Cogens) التي لا يجوز الخروج عليها. والنتيجة؟ حتى لو لم تُصدر طالبان بياناً يقول “أعدنا العبودية”، فإن مجرد حضور “العبد/الغلام” في مدونة محاكم، وفق ما وثّقته رواداري، يكفي لإشعال الإنذار: لأنك لا تُدخل مصطلحاً من هذا النوع إلى الوثائق القضائية إلا إذا كنت تقبل وجوده كوصفٍ قابل للاستعمال.
عدالة الطبقات: حصانة للملا.. وتشديد على “الدون”
الأكثر صدمة في بيان “رواداري”، وتغطيات لاحقة، هو ما قيل عن تقسيم المجتمع إلى طبقات تنعكس مباشرة على العقوبة. وردت الصياغة المتداولة هكذا: إذا ارتكب “عالمٌ ديني” جريمة يُكتفى بالنصح، وللنخبة استدعاء ونصح، ولـ”الطبقة الوسطى” سجن، ولـ”الطبقة الدنيا” سجن مع عقوبات بدنية.
هذا ليس تفصيلاً فقهياً هامشياً؛ بل إعادة تعريف لفكرة “المساواة أمام القانون” من الجذر. ولذلك أدلى المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بأفغانستان ريتشارد بينيت بتصريح علني يقول فيه إنه يراجع “مدونة إجراءات طالبان” من منظور حقوقي ومن منظور الشريعة، لكنه يرى مبكراً أن آثارها “مقلقة للغاية” على الأفغان.
وفي خطوةٍ سياسية موازية، قالت بعثة أفغانستان الدائمة في جنيف إن “قانوناً جنائياً” جديداً لطالبان “يُرسّخ التمييز ويؤسس نظاماً طبقياً” وينتهك مبادئ الكرامة والمساواة، في إشارة إلى ذات الوثيقة المتداولة.
وسط هذا الجدل، يبرز ارتباكٌ تحريري مهم: بعض التغطيات تصف الوثيقة بأنها “قانون عقوبات/قانون جنائي” بينما يسميها بيان “رواداري” “قانون/مدونة إجراءات للمحاكم”. هذا الالتباس ليس شكلياً؛ لأن “الإجراءات” قد تتحول عملياً إلى “قانون عقابي” إذا تضمنت تصنيفات وعقوبات وتفاوتاً طبقياً في التطبيق.
من “الغُلام” إلى الاتجار.. أين الحقيقة وأين المبالغة؟
هنا يجب الفصل بين مسارين: الأول (الوثيقة): ما يمكن توثيقه هو وجود بيان حقوقي يتحدث عن إدراج “العبد/الغلام” في نص قضائي، وعن نظام طبقي للعقوبات. هذا يُغذي رواية “شرعنة العبودية” بوصفها صفة قانونية.
المسار الثاني (الاستغلال الجنسي للأطفال): المنشور المتداول قفز من “لغة الوثيقة” إلى “عودة نظام استعباد الأطفال جنسياً رسمياً”. هذا الادعاء بصيغته الإعلانية غير مُثبت. لكن في المقابل توجد تقارير حكومية أمريكية تؤكد استمرار مخاطر الاتجار والاستغلال، بما في ذلك ممارسة البَچّه بازّي (bacha bazi)، استغلال الصبيان جنسياً، وتقول إن هذه الممارسة “استمرت” بين نافذين، وتذكر ضمنهم “قادة من طالبان”، وفق نص تقرير وزارة العمل الأمريكية، كما تشير إلى أن طالبان تعاملت مع بعض ضحايا الاتجار، خصوصاً المرتبطين بالبَچّه بازّي، كمجرمين، وأودعتهم مراكز احتجاز للأحداث بدل إحالتهم إلى خدمات الدعم.
ويذكر تقرير وزارة الخارجية الأميركية عن الاتجار بالبشر، أن سلطات طالبان لم تبذل جهوداً فعّالة لمكافحة الاتجار أو حماية الضحايا.
في هذه النقطة بالتحديد، يصبح الخوف مضاعفاً: لأن بيئةً قانونية تُضعف حماية الضحايا، وتُوسّع مساحة العقوبات البدنية والاعتقال التعسفي، تخلق شروطاً مثالية لاقتصادٍ مظلم: فقرٌ متفاقم، شبكات اتجار، أطفالٌ بلا حماية، وقضاءٌ “طبقي” يصعب مساءلته. تقرير الوزارة يربط أصلًا بين الأزمة الإنسانية بعد 2021 وزيادة مخاطر عمل الأطفال والاستغلال.
إلى أين يتجه الملف؟
القضية الآن ليست “مسيرة غاضبة” بقدر ما هي معركة نصوص وتطبيق: هل تُنشر الوثيقة كاملةً للتحقق؟ كيف تُترجم مصطلحاتها في السياق المحلي؟ وهل ستظهر سوابق قضائية تُطبّق فيها ثنائية “حر/عبد” أو نظام الطبقات؟
من المؤكد أن أي نقاش حول “الغُلام” سيصطدم بحقيقة دولية صلبة مفادها، حظر الرق ليس مجرد “مبدأ أخلاقي”، بل محظور في نصوص أساسية من منظومة حقوق الإنسان، ويُشار إليه كقاعدة آمرة في القانون الدولي.


