أجرى الحوار: عمرو فاروق
أجرى الحوار: عمرو فاروق

مقالات مشابهة

حوار (1-2)

إيرينا تسوكرمان: “الإخوان” لم ينتهوا.. ومستقبل الإسلام الحركي يتشكل عبر الإعلام الرقمي

أجرى الحوار: عمرو فاروق
أجرى الحوار: عمرو فاروق

شهدت المنطقة العربية خلال العقد الأخير تحولات عميقة أعادت رسم خريطة الحركات الأصولية، لا سيما بعد سقوط تجربة “جماعة الإخوان” في الحكم، وتراجع تنظيمي “القاعدة” و”داعش” تحت وطأة الضربات الأمنية والعسكرية، وصعود أنماط جديدة من التجنيد والدعاية عبر الفضاء الرقمي. إلا أن هذه التحولات تثير تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت هذه التنظيمات قد دخلت بالفعل مرحلة الأفول، أم أنها تعيد إنتاج نفسها بأدوات أكثر مرونة، وخطابات أكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات الإقليمية والدولية.

في هذا الحوار مع “غلوبال ووتش عربية”، تستعرض الدكتورة إيرينا تسوكرمان، الباحثة المتخصصة في قضايا الأمن القومي الأمريكي ومكافحة الإرهاب، رؤيتها لمستقبل “جماعة الإخوان”، والتحولات التي يشهدها التيار السلفي، وأسباب استمرار التنظيمات المتطرفة في التجنيد رغم خسائرها العسكرية.

– كيف تقيّمين مستقبل الإسلام السياسي في المنطقة العربية بعد التراجع الكبير الذي شهدته “جماعة الإخوان” خلال السنوات الأخيرة؟

إيرينا تسوكرمان: ينبغي التعامل بحذر بالغ مع الفرضية القائلة إن “جماعة الإخوان” دخلت مرحلة تراجع دائم لا رجعة فيه، فهذه القراءة تبدو اليوم متعجلة إلى حد كبير. إذ شهدت الجماعة عودة تدريجية وملحوظة لنفوذها، ليس بالضرورة عبر الأحزاب السياسية أو الهياكل التنظيمية التقليدية، وإنما من خلال المنظومات الإعلامية، وشبكات التواصل الاجتماعي، وجماعات الضغط التابعة للجاليات الإسلامية في أوروبا.

– هل نشهد نهاية المشروع التقليدي لـ”جماعة الإخوان”، أم إعادة إنتاجه بأدوات وخطابات جديدة؟

– تعرض المشروع التقليدي لـ”جماعة الإخوان”، القائم على التنظيم الهرمي الرامي إلى السيطرة على مؤسسات الدولة، لضربات قاسية خلال السنوات الأخيرة. فقد انهارت الوعود التي لطالما روجت لها الجماعة بشأن قدرتها على الحكم، وذلك بعد تجربتها في مصر، كما تراجعت جاذبية هذا النموذج بصورة ملحوظة في دول أخرى. وأصبحت القيادة الرسمية للجماعة تعاني من الانقسام والتفكك.

مع ذلك، فإن المشروع ذاته لم ينتهِ، بل يعاد إنتاجه عبر قنوات أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع المتغيرات. فبيئة “الإخوان” الجديدة أصبحت تعتمد بدرجة أقل على العضوية التنظيمية التقليدية، وبدرجة أكبر على دوائر النفوذ غير الرسمية، التي تشمل الشخصيات الإعلامية، ومنظمات الجاليات في الخارج، والمؤسسات الحقوقية، وشبكات المؤثرين الجدد على منصات التواصل الرقمية.

– هل فقدت “جماعة الإخوان” قدرتها على تقديم نفسها بوصفها بديلاً سياسياً للدولة الوطنية؟

– في الواقع، خسرت “جماعة الإخوان” جانباً كبيراً من مصداقيتها كبديل قادر على إدارة الدولة الوطنية. فقد كشفت تجربتها في الحكم عن ضعف كفاءتها الإدارية، وجمودها الأيديولوجي، ونظرتها المتوجسة إلى التعددية السياسية، فضلاً عن ميلها إلى اعتبار الفوز في الانتخابات تفويضاً للهيمنة على مؤسسات الدولة وإخضاعها لسيطرة التنظيم. وقد أظهرت التجربة المصرية على وجه الخصوص أن الجماعة لم تنظر إلى الدولة باعتبارها مؤسسة وطنية محايدة تخدم جميع المواطنين، بل ساحة ينبغي أن يُسيطر عليها من قبلها.

– ما أبرز التحديات الفكرية والتنظيمية التي تواجه “جماعة الإخوان” اليوم؟

– يكمن التحدي الفكري الأساسي الذي تواجهه “جماعة الإخوان المسلمين” في أن رؤيتها للعالم لا تزال عالقة بين خطاب الديمقراطية وطموح الثورة الأيديولوجية. فهي تتحدث عن الانتخابات، والحقوق، والمشاركة السياسية عندما تكون خارج السلطة، لكنها تميل إلى الاحتكار الفكري والسياسي كلما اقتربت من النفوذ أو وصلت إلى الحكم.

أما على المستوى التنظيمي، فتعاني الجماعة من حالة تشرذم قيادي، وصراع بين الأجيال، وإشكاليات العمل من المنفى، فضلاً عن الاختراقات الأمنية، والضغوط المالية، والارتباك الاستراتيجي.

ولا تكمن نقطة ضعفها الرئيسة في الضغوط الأمنية أو الملاحقات الحكومية، بل في عجزها عن تقديم إجابات واضحة وصادقة عن أسئلة جوهرية، مثل: ما شكل الدولة التي تسعى إلى إقامتها؟ وكيف ستضمن حقوق الأقليات؟ وما الضمانات التي تحول دون احتكارها للسلطة؟ وكيف يمكنها الفصل بين الدين والعمل الحزبي؟

– هل يمكن توقع مراجعات فكرية حقيقية داخل “جماعة الإخوان”؟

– من غير المرجح أن تشهد “جماعة الإخوان” مراجعات فكرية حقيقية ما لم تتخلَّ عن المرتكزات الأساسية التي قامت عليها منذ نشأتها. فالمراجعة الجادة تقتضي اعترافها الكامل بشرعية الدولة الوطنية، والفصل بين العمل الدعوي والعمل السياسي، والتخلي عن مشروع “أسلمة” مؤسسات الدولة، ورفض نموذج العنف المسلح، والإقرار بأن خطابها التاريخي أسهم في تهيئة البيئة الفكرية التي انطلقت منها جميع التنظيمات الدينية المتطرفة.

– ما هو مستقبل التيار السلفي، بمختلف مدارسه، في العالم العربي؟

– من المرجح أن يشهد مستقبل التيار السلفي مزيداً من الانقسام، بحيث لن تتمكن مدرسة واحدة من مدارسه من فرض هيمنتها على المشهد العربي. فالسلفية العلمية أو التقليدية ستواصل حضورها داخل البيئات الاجتماعية المحافظة، ولا سيما عندما تبتعد عن الانخراط المباشر في العمل السياسي، وتقدم نفسها باعتبارها منهجاً يقوم على التدين الفردي.

أما السلفية ذات الطابع السياسي أو الحركي، فستظل مرتبطة بمدى سماح الدول لها بالعمل، وتوافر مصادر التمويل الخارجي، وحجم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي يمكن أن تستثمرها. في المقابل، ستظل السلفية الجهادية تمثل تهديداً أمنياً في مناطق النزاعات، وفي البيئات التي تعاني من هشاشة الدولة أو انهيارها.

ورغم أن المؤسسات السلفية التقليدية قد لا تنجح في استقطاب الأجيال الجديدة كما كان الحال في السابق، فإن كثيراً من الشباب قد يتشربون أنماطاً من التفكير السلفي عبر مقاطع الفيديو القصيرة، والدعاة على الإنترنت، والفتاوى الرقمية.

لذلك، فمن غير المتوقع أن يختفي التيار السلفي، بل سيصبح أكثر حضوراً في الفضاء الرقمي، وأكثر لامركزية، وأكثر ارتباطاً بالأحداث العاطفية الكبرى، مثل الحرب في غزة، والجدل الثقافي مع الغرب، وردود الفعل المناهضة لليبرالية.

– هل لا تزال السلفية التقليدية قادرة على استقطاب الأجيال الشابة في ظل التحولات الثقافية والتكنولوجية؟

– لم تعد السلفية التقليدية تمتلك الجاذبية المؤسسية نفسها التي كانت تتمتع بها لدى الأجيال الشابة، خاصة في البيئات الحضرية المنفتحة على الثقافة العالمية، وأنماط الحراك الاجتماعي الجديدة. فكثير من الشباب لم يعودوا راغبين في تبني القيود الاجتماعية والدينية الصارمة، التي ارتبطت تقليدياً ببعض الدوائر السلفية.

– إلى أي مدى أسهمت بعض الكتابات السلفية في تهيئة البيئة الفكرية التي استغلتها لاحقاً التنظيمات الجهادية المسلحة؟

– أسهمت بعض الكتابات السلفية، بدرجات متفاوتة، في تشكيل البيئة الفكرية التي استثمرتها لاحقاً التنظيمات الجهادية المسلحة، ولا سيما تلك التي ركزت على الهوية الإقصائية، والعداء للاختلاف الديني، ورفض التعددية، والشك في شرعية الدولة الحديثة، والتشدد في مفاهيم الولاء والبراء.

فقد عمدت التنظيمات الجهادية إلى دمج عدد من المفاهيم السلفية مع الأفكار الثورية، والعنف الموجه ضد الدولة، واستراتيجيات التمرد المسلح الحديثة. وهكذا تحولت فكرة “التصفية العقدية” إلى مواجهة عسكرية.

– هل تعاني السلفية التقليدية من أزمة في التجديد الفكري أم من أزمة في الخطاب؟

– تعاني السلفية التقليدية من الأزمتين معاً؛ فهي تواجه، من ناحية، أزمة في الخطاب، ومن ناحية أخرى، أزمة أعمق تتعلق بالتجديد الفكري. وتتجلى هذه الأزمة في عجزها عن التواصل الفعال مع الأجيال الشابة التي تعيش في عالم تشكله الثقافة الرقمية.

أما الأزمة الأعمق فتتمثل في محدودية التجديد الفكري. فلا تزال السلفية التقليدية تجد صعوبة في بلورة رؤية متماسكة لقضايا الدولة الحديثة، والنظام السياسي المعاصر، ومشاركة المرأة في المجال العام، والتعددية الدينية.

– ما الفروق الجوهرية بين أزمة “جماعة الإخوان” وأزمة التيار السلفي في الوقت الراهن؟

– تتمثل الأزمة الجوهرية لـ”الإخوان” في “الشرعية السياسية”، فقد بنت الجماعة مشروعها على الادعاء بأن الإسلام السياسي أكثر قدرة من النظم المدنية أو العسكرية أو الملكية أو القومية على إدارة الدولة الحديثة. غير أن تجربتها في الحكم، وسجلها في الصدام المسلح مع مؤسسات الدولة، فضح هذه المزاعم. 

أما أزمة التيار السلفي فهي أكثر تعقيداً وتشعباً، لأن السلفية ليست كياناً واحداً، ولا تسعى جميع مدارسها إلى الوصول للسلطة السياسية. وتتركز أزمتها في ضعف قدرتها على مواكبة التحولات الاجتماعية، وجمودها الفكري، إضافة إلى توظيف بعض مفاهيمها من قبل الجماعات الدينية المتطرفة. ولهذا، فإن السلفية تُقيَّم اليوم من خلال علاقتها بالحياة الحديثة ومدى إسهامها في تعزيز التماسك المجتمعي، لا على أساس تجربتها في الحكم.