بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

شراكات أمنية

العراق بعد التحالف الدولي لمكافحة “داعش”.. اختبار السيادة وإعادة صياغة النفوذ في إقليم ملتهب

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

يدخل العراق مرحلة أمنية وسياسية جديدة مع اقتراب اكتمال انتقال مهمة التحالف الدولي لمكافحة تنظيم “داعش” من الوجود العسكري الجماعي إلى شراكات أمنية ثنائية، في تحول لا يتعلق بخروج القوات الأجنبية فحسب، بل بإعادة تعريف موقع بغداد في معادلات إقليمية تتقاطع فيها حسابات واشنطن وطهران وأنقرة والعواصم الخليجية.

رسم الاتفاق العراقي-الأمريكي المعلن في سبتمبر/أيلول 2024 مساراً لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف في العراق والانتقال إلى علاقة أمنية ثنائية، مع استمرار ترتيبات مرتبطة بمكافحة “داعش” في سوريا حتى سبتمبر 2026. وبحلول يناير/كانون الثاني الماضي، كانت القوات الاستشارية التابعة للتحالف قد غادرت القواعد والمقار العراقية، لتدخل العلاقة بين بغداد وواشنطن مرحلة مختلفة في شكلها، من دون أن يعني ذلك نهاية التعاون الأمني بين الطرفين.

ويختلف عراق اليوم عن ذلك الذي طلب الدعم الدولي العام 2014، بعد اجتياح “داعش” مساحات واسعة من أراضيه. فقد استعادت القوات العراقية قدرات كبيرة، وتراجعت قدرة التنظيم على السيطرة على المدن، فيما تحولت الفصائل المسلحة إلى لاعب مؤثر في المعادلة السياسية والأمنية. ولهذا، فإن السؤال لم يعد ما إذا كان العراق قادراً على الاستغناء عن الوجود العسكري للتحالف، بل ما إذا كانت الدولة قادرة على إدارة المرحلة التالية من دون أن يتحول تقليص الوجود الأجنبي إلى زيادة في نفوذ قوى أخرى.

واشنطن وطهران في المشهد

تفرض العلاقة مع الولايات المتحدة وإيران نفسها في قلب هذا التحول، فالعراق بقي خلال السنوات الماضية إحدى أبرز ساحات التماس بين الطرفين، ووجد نفسه أكثر من مرة في موقع المتلقي لضربات متبادلة بين واشنطن وفصائل عراقية مرتبطة بطهران.

وتكشف تطورات العام الجاري أن هذه المعادلة لم تنته مع بدء انتقال مهمة التحالف. فقد شهد العراق خلال الأشهر الأولى من العام أكثر من 600 هجوم استهدف مصالح ومنشآت أمريكية، قبل أن يتجدد التصعيد في يوليو/تموز مع أكثر من 30 هجوماً بالطائرات المسيّرة خلال 72 ساعة استهدفت القوات الأمريكية ومنشآت الطاقة السعودية، وأعقب ذلك تنفيذ ضربات أمريكية-سعودية داخل العراق طالت مواقع لجماعات مرتبطة بإيران.

وتضع هذه التطورات بغداد أمام اختبار بالغ الحساسية، إذ إن عجز الدولة عن منع استخدام أراضيها في صراعات الآخرين يجعل سيادتها عرضة للاختبار من الداخل والخارج في آن واحد. ومن هنا، تتحول قضية حصر السلاح بيد الدولة من ملف سياسي داخلي إلى شرط لحماية السياسة الخارجية العراقية ومنع البلاد من دفع ثمن مواجهات لا تقررها الحكومة.

لكن المعادلة لا تتوقف عند واشنطن وطهران. فالعراق يحاول منذ سنوات إعادة بناء جسور اقتصادية وسياسية مع محيطه العربي، ولا سيما دول الخليج العربي، عبر مشاريع في الطاقة والكهرباء والاستثمار والتجارة. وهذا المسار يمكن أن يمنح بغداد مساحة أوسع للمناورة، لكنه يحتاج إلى بيئة أمنية مستقرة وقادرة على حماية المصالح والاستثمارات.

لا تبحث العواصم الخليجية فقط عن سوق عراقية، بل عن دولة مستقرة تستطيع ضبط حدودها ومنع استخدام أراضيها في هجمات تهدد المنطقة. وكلما نجحت بغداد في تحقيق ذلك، ازدادت فرص تحول العراق من ساحة لتقاطع النفوذ إلى شريك اقتصادي وأمني في محيطه العربي.

تركيا.. الأمن بوابة الاقتصاد

تأخذ المعادلة بعداً إضافياً في الشمال، حيث تتقاطع المصالح العراقية والتركية حول الأمن والطاقة والتجارة. فملف حزب العمال الكردستاني يبقى من أبرز الهواجس الأمنية لأنقرة، فيما تحتاج بغداد إلى تنسيق أكبر مع تركيا وإقليم كردستان لضبط الحدود وحماية المصالح المشتركة.

وتزداد أهمية هذا التعاون مع مشروع “طريق التنمية”، الذي يربط ميناء الفاو الكبير بالحدود التركية عبر شبكة من الطرق والسكك الحديدية، ويمنح العراق فرصة للتحول إلى ممر تجاري بين الخليج والأسواق الأوروبية.

وهنا يلتقي الأمن بالاقتصاد بصورة مباشرة. فنجاح المشروع لا يعتمد على البنية التحتية وحدها، بل على استقرار المناطق التي يمر بها وقدرة الدولة على تأمينها. وإذا نجحت بغداد في ذلك، فقد يتحول موقع العراق الجغرافي من مصدر دائم للتهديد إلى ورقة قوة اقتصادية وسياسية.

كما أن اضطراب طرق التجارة والطاقة في المنطقة أعاد تسليط الضوء على قيمة العراق كممر بري بديل، خصوصاً في ظل البحث عن مسارات أقل تعرضاً للأزمات البحرية والجيوسياسية. وهذه فرصة لا يستطيع العراق استثمارها من دون استقرار طويل الأمد.

فرصة مشروطة بالسيادة

يحمل انتهاء المهمة العسكرية للتحالف جانباً إيجابياً للعراق، إذ يعزز مسؤولية المؤسسات الوطنية عن الأمن، ويمنح بغداد هامشاً أكبر في صياغة علاقاتها الدفاعية والخارجية. كما أن الانتقال إلى شراكات ثنائية مع الولايات المتحدة يمكن أن يحافظ على التعاون في التدريب والاستخبارات والتسليح والدفاع الجوي، من دون الحاجة إلى استمرار نموذج الانتشار العسكري السابق.

اقتصادياً، قد يساعد الاستقرار على جذب الاستثمارات وتطوير قطاعات النقل والطاقة والبنية التحتية، بما يتيح للعراق توسيع دوره الإقليمي بعيداً عن الاعتماد شبه الكامل على النفط.

لكن هذه الفرصة تبقى مشروطة بقدرة الدولة على إدارة مسؤولياتها الجديدة. فتنظيم “داعش” لم يختفِ نهائياً، وإن فقد القدرة التي امتلكها العام 2014، ولا تزال مكافحة خلاياه تتطلب قدرات استخباراتية ومراقبة حدودية وتعاوناً دولياً. وفي المقابل، يمثل تعدد مراكز القوة المسلحة تحدياً لا يقل أهمية، لأن الدولة لا تستطيع بناء سياسة خارجية مستقلة بينما تبقى أراضيها قابلة للاستخدام من أطراف تحمل أجندات تتجاوز الحدود.

العراق بعد التحالف

إن نجاح مرحلة ما بعد التحالف لن يقاس بمشهد مغادرة آخر جندي أجنبي، بل بمدى قدرة بغداد على احتكار القرار الأمني وحماية حدودها ومنشآتها ومصالحها، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع واشنطن وطهران وأنقرة ودول الخليج.

لا يحتاج العراق إلى استبدال نفوذ خارجي بآخر، بل إلى تحويل موقعه الجغرافي وعلاقاته المتشابكة إلى أدوات قوة للدولة. وإذا تمكن من الجمع بين الاستقرار الأمني والانفتاح الاقتصادي والتوازن الدبلوماسي، فقد يصبح انتهاء مهمة التحالف نقطة انطلاق نحو عراق أكثر استقلالاً.

أما إذا بقي القرار الأمني موزعاً، والسلاح خارج السيطرة الكاملة للدولة، فإن انتهاء المظلة العسكرية للتحالف لن يعني اكتمال السيادة، بل بداية اختبار أكثر تعقيداً: هل يستطيع العراق أن يصبح ساحة للتعاون الإقليمي بدلاً من أن يبقى ساحة لصراعات الآخرين؟