بعد خمس سنوات من عودتها إلى السلطة، تبدو حركة طالبان أكثر رسوخاً في حكم أفغانستان، لكنها أقل قدرة على إقناع العالم بأن سيطرتها على البلاد تعني نجاحها في بناء دولة مستقرة وقابلة للحياة. ففي الوقت الذي تحتفل فيه الحركة بما تسميه “يوم النصر”، وتقدم إنهاء عقدين من الوجود العسكري الأميركي والغربي باعتباره لحظة استقلال تاريخية، تكشف المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية وجهاً مختلفاً تماماً: مجتمع أكثر انغلاقاً، ونساء وفتيات جرى إقصاؤهن بصورة غير مسبوقة، واقتصاد يسجل نمواً محدوداً بينما تتراجع مستويات المعيشة، مع أزمة إنسانية تطال ملايين الأفغان.
في 15 أغسطس/آب 2021، دخل مقاتلو طالبان كابول مع انهيار الحكومة المدعومة من الغرب وفرار الرئيس أشرف غني، في مشهد أنهى الحرب التي استمرت نحو عقدين، لكنه أعاد أيضاً إلى الواجهة نظاماً سبق أن حكم البلاد في تسعينيات القرن الماضي بقبضة دينية صارمة. ومنذ ذلك الحين، تحاول الحركة ترسيخ رواية مفادها أنها أعادت الأمن والسيادة إلى بلد أنهكته أربعة عقود من الحرب، بينما ترى الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان أن هذا الاستقرار جاء مصحوباً بتضييق واسع على المجتمع وإضعاف مقومات التنمية طويلة الأجل.
“يوم النصر”.. روايتان لبلد واحد
احتفلت طالبان السبت بالذكرى الخامسة ليوم النصر عبر شوارع كابول التي توشحت بالأعلام السوداء والبيضاء، بينما جابت السيارات والدراجات النارية وعربات الريكشا المدينة، وتجمع مئات المؤيدين قرب السفارة الأميركية السابقة تحت رقابة أمنية مشددة. وقال المتحدث باسم حكومة طالبان ذبيح الله مجاهد في منشور على منصة “إكس”، “سيظل يوم النصر هذا محفوراً بأحرف من ذهب في تاريخ أفغانستان”. فيما أكد وزير الخارجية أمير خان متقي أن “فصل الحرب قد انتهى”، داعياً الولايات المتحدة إلى إعادة فتح سفارتها والاستثمار في البلاد.
نعم، تستند رواية طالبان إلى حقيقة يصعب تجاهلها، وهي تراجع مستوى الحرب المفتوحة التي عانت منها أفغانستان لعقود. ويرى بعض السكان أن انتهاء المعارك وغياب القوات الأجنبية وفّرا قدراً من الهدوء لم يكن متاحاً في سنوات خلت. لكن هذا التحسن الأمني لا يُلغي سؤالاً أكثر جوهرية: هل يكفي غياب الحرب كي يُعد الحكم ناجحاً؟
بالنسبة إلى كثير من الأفغان، لا سيما النساء، تبدو الإجابة مختلفة تماماً. امرأة في الخامسة والثلاثين، فقدت زوجها في القتال مع طالبان عام 2021، قالت لوكالة “فرانس برس” إن الذكرى لا تمثل لها سوى الحزن، بعدما أصبح أبناؤها من بين الأطفال الذين فقدوا آباءهم. وهنا تظهر المفارقة الأساسية في تجربة طالبان: الحركة أنهت إلى حد كبير الحرب التي كانت تخوضها للوصول إلى السلطة، لكنها لم تنهِ الأزمات التي تمنع أفغانستان من التحول إلى دولة طبيعية.
النساء.. الواقع الأكثر قسوة
يبقى وضع النساء والفتيات الاختبار الأوضح لحكم طالبان. فمنذ عودتها إلى السلطة، فرضت الحركة أكثر من 100 مرسوم وإجراء يُقيد حقوق المرأة، لتطال التعليم والعمل والتنقل والرعاية الصحية والوصول إلى العدالة والحياة العامة.
وتظل أفغانستان الدولة الوحيدة في العالم التي يُحظر فيها على الفتيات والنساء مواصلة تعليمهن المدرسي والعالي، فيما بلغ عدد الفتيات المحرومات من التعليم الثانوي نحو 2.4 مليون أفغانية، وفق أحدث بيانات اليونسكو. كما فرضت طالبان قيوداً واسعة على عمل النساء وحركتهن، ومنعتهن من دخول مرافق عامة، بينها الحدائق والصالات الرياضية.
لا تتوقف التداعيات عند فقدان التعليم أو الوظيفة، إذ تحولت القيود إلى منظومة عزل اجتماعي. وتشير بيانات الأمم المتحدة للمرأة إلى أن أكثر من نصف النساء اللواتي شملهن مسح حديث لا يغادرن منازلهن سوى مرة أو مرتين شهرياً، فيما وصفت سبع من كل عشر نساء صحتهن النفسية بأنها سيئة أو سيئة جداً.
ويمتد الثمن إلى الاقتصاد نفسه؛ فإقصاء النساء من التعليم والعمل يحرم البلاد من جزء هائل من رأس مالها البشري، ويضعف دخل الأسر ويقلص قاعدة العمالة المؤهلة، ما يجعل تكلفة هذه السياسات تراكمية وليست مؤقتة.
أزمة تمويل تتفاقم
لا تقتصر تداعيات سياسة طالبان على القيود المباشرة، بل تمتد إلى إضعاف المؤسسات التي تحاول مساعدة النساء على مواجهتها. فقد حثّت الأمم المتحدة الجهات المانحة على عدم خفض التمويل المخصص للبرامج الخاصة بالنساء، محذّرة من أن تراجع المساعدات قد يترك ملايين الأفغانيات في مواجهة القيود بمفردهن.
وقالت سوزان فيرجسون، الممثلة الخاصة لهيئة الأمم المتحدة للمرأة في أفغانستان، إن أكثر من نصف المنظمات النسائية الـ74 التي شملها المسح قد تضطر إلى تعليق عملياتها أو إغلاق أبوابها خلال العام المقبل بسبب نقص التمويل، رغم أن الحاجة إلى خدماتها تتزايد. وتأتي الأزمة بعدما تعرض نحو ثلاثة أرباع المنظمات النسائية لخفض في التمويل خلال 2025، فيما قالت قرابة ثلثيها إن ما تبقى لديها من تمويل تشغيلي يكفي ستة أشهر أو أقل.
وأوضحت فيرجسون أن نداء الأمم المتحدة الإنساني لصالح أفغانستان، البالغ 1.7 مليار دولار، لم يتم تمويله سوى بنسبة 25% فقط، ما يهدد بإضعاف الخدمات القانونية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية التي تقدمها المنظمات للنساء.
اقتصاد ينمو وانتعاش يذبل
تقدم طالبان نفسها بوصفها حكومة تتجه نحو “الاكتفاء الذاتي”، وتستشهد بتحسن الإيرادات المحلية ومشاريع الطرق والتعدين. وقدّر البنك الدولي نمو الاقتصاد الأفغاني الحقيقي بنحو 4.8% في 2025، لكن هذا التحسن لم يتحول إلى انتعاش مماثل في مستويات المعيشة.
النمو يأتي من قاعدة اقتصادية منهكة، فيما لا يزال القطاع المصرفي هشاً، والاستثمار محدوداً والاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات والتجارة الخارجية. كما تراهن طالبان بصورة متزايدة على التعدين باعتباره مصدراً رئيسياً للإيرادات، في ظل محدودية الوصول إلى النظام المالي الدولي.
وتزيد عودة أكثر من ستة ملايين أفغاني من إيران وباكستان منذ 2023 الضغوط على سوق العمل والخدمات والسكن والغذاء، ما يجعل النمو الاقتصادي أقل قدرة على تحسين نصيب الفرد من الدخل، الذي تراجع بنحو 5.6%، في وقت ارتفع فيه التضخم إلى 7.6% بحلول مارس/آذار 2026.
أزمة إنسانية وإعلام محاصر
تواجه أفغانستان في 2026 واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في العالم. وتقدّر اليونيسف أن 21.9 مليون شخص، بينهم 11.6 مليون طفل، يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، فيما يعاني نحو 14 مليون أفغاني من الجوع الحاد. وتتداخل الأزمة الاقتصادية مع الجفاف وتغير المناخ والكوارث الطبيعية. ومع تراجع التمويل الدولي، تتسع الفجوة بين احتياجات السكان وقدرة الحكومة والمنظمات الإنسانية على تلبيتها.
وهكذا تجد طالبان نفسها أمام معادلة صعبة: اقتصاد ضعيف، عائدون بأعداد ضخمة، تمويل إنساني متراجع، وبنية تحتية وخدمات عامة محدودة.
في عهد طالبان، أصبحت البيئة الإعلامية الأفغانية من أكثر البيئات انغلاقاً في العالم، مع تهديدات للصحفيين وقيود على المحتوى وإغلاق أو تراجع عدد كبير من المؤسسات الإعلامية. كما فرضت السلطات قيوداً على الموسيقى وبعض استخدامات الهواتف الذكية، وأعادت تطبيق العقوبات البدنية في عدد من القضايا، فيما ألزمت الرجال بتربية اللحى وفرضت على النساء تغطية أجسادهن بصورة كاملة.
ومع غياب انتخابات تنافسية ومؤسسات سياسية تعددية، يؤدي تضييق الإعلام والمجتمع المدني إلى تقليص قنوات الرقابة والمساءلة، ما يجعل انتهاكات السلطة أكثر صعوبة في الكشف والمواجهة.
خمس سنوات.. والسؤال يبدأ الآن
نجحت طالبان في أهم ما كانت تريده، البقاء في السلطة وإحكام السيطرة على البلاد. لكنها لم تثبت بعد قدرتها على تحويل هذه السيطرة إلى نموذج حكم يوفر الازدهار والحرية والعدالة والخدمات الأساسية.
والكلفة الأكبر قد لا تظهر كلها في أرقام اليوم. فالفتاة التي تُحرم من المدرسة ستدخل سوق العمل مستقبلاً بفرص أقل، والمرأة التي تُمنع من العمل تفقد استقلالها الاقتصادي، والأسرة التي تعتمد على المساعدات بدلاً من الوظائف لا تبني اقتصاداً مستداماً.
لذلك، فإن التحدي الذي تواجهه أفغانستان ليس مجرد الخروج من الحرب، بل الخروج من اقتصاد العزلة ومجتمع الإقصاء ودولة القيود. وقد تتمكن طالبان من الاحتفال كل عام بـ”يوم النصر”، لكن الاختبار الحقيقي لحكمها سيبقى في سؤال أكثر قسوة: ماذا قدمت هذه السلطة للأفغاني العادي بعد انتهاء الحرب؟




