بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

تحليل اقتصادي

2025 نقطة تحوّل للعولمة: الغرب يضع قواعد جديدة للاقتصاد العالمي في مواجهة المخاطر الجيوسياسية

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

شكّل عام 2025 نقطة انعطاف في مسار الاقتصاد العالمي، حيث تداخلت الصدمات الجيوسياسية مع اختلالات هيكلية تراكمت داخل نظام التجارة الحرة الذي تبلور منذ تسعينيات القرن الماضي. ومع تصاعد التوترات التجارية، وإعادة تقييم علاقات الاعتماد المتبادل، وتبدّل الاصطفافات الاقتصادية، سارعت الولايات المتحدة إلى تسريع جهود إعادة التصنيع المحلي، وتعزيز حماية سلاسل الإمداد الحيوية.

مع دخول عام 2026، تبرز الحاجة إلى مقاربة أكثر واقعية، لا تتخلى عن منطق السوق، لكنها تعيد تعريفه في ضوء عالم باتت فيه الجغرافيا السياسية عاملاً حاسماً في قرارات التجارة والاستثمار، ولم تعد فيه قواعد المنافسة متكافئة.

حدود العولمة كما عُرفت

لم تكن اضطرابات 2025 أحداثاً عابرة، بل كشفت عن هشاشة افتراض مركزي حكم العولمة لعقود: أن الانفتاح التجاري، بحد ذاته، كفيل بتقارب الأنظمة الاقتصادية، وضبط السلوك السياسي للدول. عملياً، أظهر الواقع أن هذا الافتراض لم يصمد أمام صعود أنماط من “الرأسمالية الموجَّهة”، حيث تتداخل الدولة والسوق على نحو يُفرغ قواعد المنافسة من مضمونها.

لقد استفادت اقتصادات تقودها الحكومات، وفي مقدمتها الصين، من النفاذ الواسع إلى الأسواق المفتوحة، لتوسيع طاقاتها الإنتاجية المدعومة، وطرح سلع بأسعار تقل عن كلفتها الحقيقية، وبناء مواقع شبه احتكارية في قطاعات استراتيجية. وبمرور الوقت، تحوّلت الكفاءة قصيرة الأجل التي وفّرتها هذه المنظومة إلى مصدر ضعف استراتيجي طويل الأمد لدى اقتصادات السوق الحرة نفسها.

من العولمة السلسة إلى اقتصاد «شبه عالمي»

اقتصادياً، أدّت هذه الديناميات إلى تآكل القواعد الصناعية في الدول المتقدمة، وضغوط مستمرة على الأجور، واعتماد مفرط على سلاسل إمداد طويلة ومعقدة، لكنها شديدة الهشاشة أمام الصدمات. ومع تزايد المخاطر، جاء الرد الغربي – ولا سيما الأمريكي – في شكل حزمة إجراءات وُصفت أحياناً بـ”العلاج الصادم”: تعريفات جمركية، قيود تجارية، ضوابط على تصدير التكنولوجيا، وتشديد قوانين العمل القسري.

أسهمت هذه الخطوات في كسر الوضع القائم، وإعادة إدخال مفهوم “المخاطر الجيوسياسية” إلى حسابات السوق. غير أن الإبقاء عليها في إطار صراع تجاري مفتوح يحمل كلفة اقتصادية مرتفعة، ويهدد بتفكيك النظام التجاري الدولي دون بديل منظم.

من هنا، يبرز مفهوم الانتقال إلى اقتصاد “شبه عالمي” بوصفه نموذجاً وسطياً، لا يقوم على الانعزال القومي، ولا على العولمة غير المشروطة. يقوم هذا النموذج على الإبقاء على أسواق مفتوحة وتدفقات تجارة واستثمار واسعة، لكن ضمن دائرة من الدول التي تلتزم بقواعد سوقية واضحة: منافسة عادلة، شفافية في الدعم، حماية الملكية الفكرية، واستقلال القرار الاقتصادي عن الإكراه السياسي.

أما الدول التي تعتمد على التشويه المنهجي للأسواق، عبر الدعم غير المحدود أو التسييس الاقتصادي، فستواجه قيوداً متدرجة، قد تشمل تعريفات مرتفعة، وتقييد الوصول إلى رأس المال والتكنولوجيا، وصولاً إلى الإقصاء الجزئي من المنظومة المالية والتجارية في الحالات القصوى.

الحليف ليس ثابتاً

أظهرت أزمات 2025 أن الاتفاقيات التاريخية والانتماءات السياسية لا تكفي لضمان الموثوقية الاقتصادية والمعاملة بالمثل ومقاومة الإكراه الخارجي. فقد تبيّن أن بعض الشركاء، رغم تحالفاتهم الأمنية، يظلون عرضة للضغوط أو الإغراءات من قوى غير سوقية، أو يسعون لتحقيق مكاسب قصيرة الأجل على حساب الاستقرار الجماعي.

في 2026، تصبح الحاجة ملحّة لاعتماد إطار مؤسسي أوضح للتحالفات الاقتصادية، يركز على:

  1. توازن العلاقات التجارية
  2.  تنسيق السياسات تجاه الممارسات غير العادلة
  3.  تعزيز مرونة سلاسل الإمداد
  4. الالتزام المشترك بالأمن الاقتصادي والاستقرار المالي

هذا التحول يعني الانتقال من منطق “الشريك التجاري” إلى “الشريك الاستراتيجي”، حيث لا تُقاس العلاقة بحجم التجارة فقط، بل بمدى توافق السياسات الصناعية والاستثمارية.

إعادة هيكلة سلاسل القيمة

 ما يُعرف بـ”الاعتماد على الحلفاء” لا ينبغي أن يقتصر على نقل الإنتاج من دولة خصمة إلى دولة صديقة. التحدي الأعمق يكمن في إعادة تصميم سلاسل القيمة نفسها، بحيث تُكافئ الاستثمارات المشتركة، والتصنيع التعاوني، وتبادل التكنولوجيا بين الاقتصادات الموثوقة.

في هذا الإطار، يمكن أن يحقق الجمع بين إعادة توطين بعض القدرات الصناعية داخل الولايات المتحدة، وتوسيع الإنتاج المشترك مع الحلفاء، ثلاثة أهداف متوازية: خلق وظائف، تقليص المخاطر الاستراتيجية، ورفع معايير الانضباط السوقي على المستوى الدولي.

الحاجة إلى “مركز ثقل” مؤسسي 

رغم تصاعد أهمية الأمن الاقتصادي، لا تزال أدوات السياسة الاقتصادية الأمريكية موزعة على عدد كبير من الوزارات والهيئات المسؤولة عن العقوبات، وضوابط التصدير، والسياسة التجارية، وفحص الاستثمارات، والتمويل التنموي، فضلاً عن الحوافز الصناعية، وإنفاذ القوانين المالية. هذا التشظي يؤدي إلى سياسات متداخلة أحياناً، ومتعارضة أحياناً أخرى، دون إطار استراتيجي جامع.

وعلى غرار الدور الذي يؤديه البنتاغون في تنسيق القوة العسكرية، يبرز اقتراح إنشاء كيان مركزي لتنسيق “قوة الدولة الاقتصادية”. هذا الكيان لا يحل محل المؤسسات القائمة، بل يضمن عملها ضمن عقيدة موحدة وأهداف مشتركة. ووظيفته الأساسية ستكون تقييم المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية، واستشراف الأزمات المحتملة، وإعداد سيناريوهات استجابة مسبقة، كل ذلك وسط مواءمة السياسات العامة مع ديناميات السوق.

إشراك القطاع الخاص

نجاح هذا الإطار يتطلب شراكة مؤسسية مع القطاع الخاص، بحيث تُصمم الحوافز بطريقة تجعل قرارات الشركات تتقاطع مع المصالح الاستراتيجية الأوسع، دون تحويل الاقتصاد إلى نموذج موجه مركزياً.

الوعد الأصلي للعولمة لم يكن الكفاءة فقط، بل تمكين المجتمعات الحرة والدول ذات السيادة الاقتصادية. إلا أن هذا الوعد تآكل حين استُخدم الانفتاح كأداة من قبل أنظمة لا تشارك القيم ولا تلتزم بالقواعد نفسها.

 نحو 2026: انفتاح مشروط لا انغلاق

الانتقال إلى نظام اقتصادي أكثر صلابة في 2026 لا يعني الانسحاب من العالم، بل إعادة رسم حدود الانفتاح على أساس التعاون المشروط، والمعاملة بالمثل، والمقاومة المنهجية للممارسات التي تقوّض النظام من الداخل.

بهذا المعنى، لا ينبغي النظر إلى اضطرابات 2025 بوصفها أزمة عابرة، بل كنقطة انطلاق لإعادة بناء نظام اقتصادي دولي أكثر عدلاً، وأكثر استقراراً، وأكثر قدرة على الصمود في وجه التنافس العالمي المتصاعد.