بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

حصاد إقتصادي (2-3)

2025 عام الانقسام في أسواق السلع: المعادن تحلّق إلى قمم تاريخية والنفط يغرق تحت وطأة الفائض وضعف الطلب

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

شكّل عام 2025 نقطة تحوّل استثنائية في أسواق المعادن العالمية، بقيادة الذهب والفضة والنحاس وغيرها من المعادن التي تجاوزت جميع التوقعات ولامست قمماً تاريخية جديدة. في المقابل، واجه النفط، أو «الذهب الأسود»، عاماً مختلفاً اتّسم بتراجع الأسعار وضغوط هيكلية حادة، حيث اصطدمت طموحات المنتجين بواقع فائض المعروض وتراجع الشهية العالمية.

هذا التباين الحاد لم يكن حدثاً عابراً، بل نتيجة لتفاعل معقّد بين السياسة النقدية الأمريكية، والجغرافيا السياسية، والتحولات في أنماط الاستثمار العالمي، إضافة إلى تأثير التحول الصناعي والتكنولوجي على سلاسل الإمداد العالمية.

الذهب.. أداء قياسي مدفوع بالمخاطر العالمية

تصدّر الذهب المشهد الاستثماري في عام 2025، وجذب اهتمام البنوك المركزية والمستثمرين الأفراد والمؤسسات على حد سواء، مع ارتفاعه بنحو 71 في المئة منذ بداية العام وحتى إعداد هذا التقرير. وسجّل المعدن النفيس نحو 50 قمة تاريخية جديدة خلال الأشهر الاثني عشر الماضية، ليلامس مستوى 4,500 دولار للأونصة في أقوى أداء سنوي منذ عام 1979.

جاء هذا الأداء مدفوعاً بعدة عوامل رئيسة، أبرزها خفض أسعار الفائدة الأمريكية وتحول الاحتياطي الفيدرالي نحو سياسة نقدية أكثر تيسيراً، إضافة إلى تزايد مشتريات البنوك المركزية من الذهب لتعزيز احتياطاتها والتحوّط من مخاطر الدولار والدين السيادي الأمريكي. كما غذّت الاضطرابات الجيوسياسية الممتدة من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط الطلب على الذهب باعتباره أهم الملاذات الآمنة.

ويعكس هذا الصعود تراجع الثقة بالعملات الورقية وقلقاً متزايداً من تراكم الديون العالمية، مما شكّل ضغطاً غير مباشر على الدولار وأعاد تشكيل استراتيجيات التحوط لدى الصناديق السيادية والمؤسسات الكبرى.

الفضة.. عودة قوية في 2025

قفزت أسعار الفضة  بنحو 147% هذا العام، لتبلغ أعلى مستوى في تاريخها فوق 71 دولاراً للأونصة في ديسمبر. ويعود هذا التفوق إلى كونها البديل الأقل تكلفة للذهب في بيئة تتسم بارتفاع الأسعار، إذ جمعت بين صفات الملاذ الآمن وزخم الطلب الصناعي، خصوصاً من قطاعات الطاقة الشمسية والسيارات الكهربائية والإلكترونيات الدقيقة.

وساهم النقص النسبي في المعروض واختناقات الإمداد في تعزيز الأسعار، ما انعكس بدوره على ارتفاع تكاليف الإنتاج في الصناعات الخضراء وأعاد تسليط الضوء على هشاشة سلاسل توريد المعادن الحيوية. 

البلاتين الرابح الأكبر وتعافٍ قوي للبلاديوم

تفوق البلاتين، الذي عاد إلى الواجهة كعنصر استراتيجي في اقتصاد الطاقة الجديدة، على جميع المعادن من حيث الأداء في عام 2025، محققاً قفزة سنوية بلغت نحو 155%، ليسجل أعلى مستوى له منذ 17 عاماً ومتجاوزاً حاجز 2300 دولار للأونصة. 

وكان العجز الهيكلي في المعروض، الذي تجاوز 800 ألف أونصة، من أهم العوامل المحركة للصعود، إضافة إلى توسيع الاستخدامات في تقنيات خلايا الوقود والهيدروجين، ولا سيما لتغذية مراكز البيانات الضخمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

أعاد هذا التحرك البلاتين إلى قلب النقاش حول أمن المعادن الاستراتيجية، خاصة في ظل تركّز الإنتاج في جنوب إفريقيا، وما يحمله ذلك من مخاطر جيوسياسية ولوجستية تؤثر على الأسعار.

بعد سنوات من الأداء الضعيف، سجّل البلاديوم مكاسب سنوية بنحو 118% هذا العام، ليبلغ 1950 دولاراً للأونصة قبل أيام. ومن الأسباب الرئيسية لذلك اضطرابات الإمداد من روسيا وجنوب إفريقيا، واستمرار الطلب من قطاع السيارات التقليدية، رغم التحول التدريجي نحو المركبات الكهربائية.

النحاس.. مقياس الاقتصاد الصناعي

وسط مخاوف من نقص الإمدادات في العام المقبل، تتجه أسعار النحاس لتسجيل أكبر مكاسب سنوية منذ عام 2009، بارتفاع تجاوز 40% في 2025، مخترقة حاجز 12 ألف دولار للطن، وهو أعلى مستوى لها على الإطلاق.

يعكس أداء النحاس تسارع مشاريع البنية التحتية الخضراء، والطلب المتزايد من قطاعات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات وشبكات الكهرباء. وهو ما جعل المعدن الصناعي الحيوي أحد أبرز الرابحين من تحول الطاقة العالمي.

واستفادت معنويات السوق تجاه النحاس من موجة أوسع من الإقبال على المخاطر في الأيام الأخيرة، إلا أن المحرك الأساسي تمثّل في توقعات استمرار تدفق كميات كبيرة إلى الولايات المتحدة، ما يؤدي إلى استنزاف المخزونات في مناطق أخرى.

النفط في 2025.. عام الضغوط واختلال التوازن

على النقيض تماماً من سوق المعادن، واجه النفط في 2025 أحد أصعب أعوامه منذ جائحة كورونا. فترةٌ اتسمت بضغوط سعرية مستمرة وأداء باهت، ما كشف عن خلل بنيوي بين العرض والطلب.

واستهلّ النفط عامه عند مستويات تقارب 72 دولاراً لخام غرب تكساس الوسيط، وسط آمال حذرة بتعافي الطلب الصيني واستقرار الأسواق. لكن مع مرور الوقت، وبحلول ديسمبر، هوت الأسعار بنسبة تزيد عن 18% إلى أدنى مستوياتها في أربع سنوات، مسجلةً نحو 58 دولاراً للبرميل في الربع الأخير. وهو مستوى لا يشجع العديد من منتجي النفط الصخري الأمريكي على التوسع في الحفر درءاً للتكاليف العالية.

كان السبب الرئيسي وراء نزيف الأسعار هو “تسونامي” الإنتاج من خارج تحالف “أوبك+”، حيث أغرقت الولايات المتحدة والبرازيل وكندا السوق بإمدادات إضافية حالت دون أي محاولة لرفع الأسعار. ليجد التحالف نفسه في موقف لا يحسد عليه؛ فمن جهة حاول الحفاظ على حصته السوقية، ومن جهة أخرى بدأ في يونيو 2025 بالتخلي التدريجي عن بعض التخفيضات الطوعية، ما أضاف وقوداً إلى نار الفائض الذي قدره الخبراء بنحو 2.3 مليون برميل يومياً.

ضعف الطلب العالمي

لم يكن الجانب الاستهلاكي للذهب الأسود أفضل حالاً، فقد شهد عام 2025 تباطؤاً ملحوظاً في نمو الطلب نتيجة عدة عوامل:

– النمو الصيني الهش، إذ لم تنجح حزم التحفيز الاقتصادي في بكين في استعادة زخم الاستهلاك النفطي السابق.

– ثورة السيارات الكهربائية: في عام 2025، لم يعد الحديث عن تحول الطاقة مجرد خطط مستقبلية، بل واقعاً ملموساً أدى إلى تآكل الطلب على وقود النقل في الاقتصادات المتقدمة.

– كفاءة الطاقة: ساهمت التقنيات الجديدة في تقليل كثافة استهلاك الطاقة لكل وحدة نمو اقتصادي.

طلقات تحذيرية لم تدم طويلاً

رغم التوترات التي شهدها منتصف العام، خاصة التصعيد بين إسرائيل وإيران، فإن “علاوة المخاطر الجيوسياسية” كانت تتبخر بسرعة قياسية. فالسوق أصبح أكثر حصانة ضد الصدمات الأمنية بسبب وفرة المخزونات العالمية وقدرة الولايات المتحدة على التعويض السريع لأي نقص، ما جعل القفزات السعرية قصيرة الأمد وغير قادرة على تغيير الاتجاه الهبوطي العام.

جسّد عام 2025 انقساماً واضحاً في أسواق السلع العالمية: المعادن الثمينة والصناعية ارتفعت بدعم من التحول التكنولوجي والمخاطر الجيوسياسية، فيما ظل النفط تحت وطأة الفائض وضعف الطلب.

هذا التناقض لا يعبّر فقط عن حركة أسعار، بل يعكس تحولات أعمق في بنية الاقتصاد العالمي وسلوك الأسواق، وهي تحولات ستستمر في رسم ملامح التجارة والطاقة والسياسات الاقتصادية خلال السنوات المقبلة.