بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

مقالات مشابهة

جصاد التقنية (1-2)

2025 عام الانعطاف الكبير: الذكاء الاصطناعي ينتقل من سباق الخوارزميات إلى معركة البنية التحتية

بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

لم يكن عام 2025 عاماً عادياً في مسار تطور الذكاء الاصطناعي، بل شكّل لحظة مفصلية كشفت تحوّلاً عميقاً في منطق المنافسة داخل القطاع. فقد تجاوزت القيمة الإجمالية للصفقات المرتبطة مباشرة بمنظومة الذكاء الاصطناعي 187 مليار دولار بحسب تجميع الصفقات المعلنة في الأسواق العالمية، في واحد من أكبر مواسم الاندماج والاستحواذ في تاريخ التكنولوجيا المتقدمة. غير أن أهمية هذا الرقم لا تكمن في ضخامته وحدها، بل في توزيعه.

تشير بيانات سوق التكنولوجيا العالمي إلى أن أكثر من 146 مليار دولار – أي ما يزيد على 78% من إجمالي القيمة – وُجّهت إلى البنية التحتية الأساسية: الرقائق، والطاقة، ومراكز البيانات، والشبكات، والأمن السيبراني. في المقابل، تراجعت حصة الصفقات التي تستهدف النماذج والتطبيقات الخالصة. هذا الاختلال في التوزيع لا يعكس مزاجاً استثمارياً عابراً، بل انتقالاً بنيوياً في تعريف ما يُعد “أصلاً استراتيجياً” في عصر الذكاء الاصطناعي.

بمعنى أدق، لم يعد الذكاء الاصطناعي في 2025 سباقاً على امتلاك النموذج الأذكى، بل على القدرة على تشغيل الذكاء على نطاق واسع، وبتكلفة مستدامة، ضمن منظومات لا تنهار تحت الضغط التقني أو التنظيمي.

نهاية وهم التفوق الخوارزمي

بين عامي 2020 و2024، بدا الذكاء الاصطناعي وكأنه سباق خوارزميات بحتة: نماذج لغوية أكبر، بيانات أوسع، وقفزات سريعة في الأداء. غير أن عام 2025 كشف حدود هذا المنطق بوضوح. فقد تقلّصت الفجوات النوعية بين النماذج الرائدة إلى نسب أحادية الرقم في معظم معايير الأداء الأساسية، في الوقت الذي ارتفعت فيه تكاليف التدريب والتشغيل داخل البيئات المؤسسية بنسب تجاوزت 30% في بعض الحالات.

هذه المفارقة – تقارب الأداء مقابل تضخم التكلفة – قوّضت الرهان على التفوق الخوارزمي بوصفه ميزة دفاعية طويلة الأمد. فالخوارزمية يمكن تحسينها أو تجاوزها خلال أشهر، لكن القيود الفيزيائية والتشغيلية لا تُحل بالكود وحده. هنا، بدأت الأسواق تعيد تقييم موقع القيمة الحقيقية.

تجسّد هذا التحول في صفقات مفصلية، أبرزها استحواذ Synopsys على Ansys في صفقة قُدّرت بنحو 35 مليار دولار. هذه الصفقة لم تستهدف إضافة نموذج ذكاء اصطناعي جديد، بل دمج عالم تصميم الرقائق مع عالم المحاكاة الفيزيائية، لمعالجة حدود الحرارة والكهرومغناطيسية وكثافة الترانزستورات. أي أنها استهدفت السقف الفيزيائي لتقدم الذكاء الاصطناعي، لا واجهته البرمجية.

المحرّك الصامت للتحول

يقف خلف هذا التحول الاستثماري دافع تقني أعمق يتمثل في الانتقال من الذكاء التوليدي التفاعلي – الذي ينتظر أمراً ليجيب – إلى الذكاء الاصطناعي الوكيل (أي الأنظمة القادرة على اتخاذ قرارات وتنفيذ إجراءات داخل بيئات مؤسسية دون تدخل بشري مباشر).

غير أن هذه الاستقلالية تفرض شروطاً تشغيلية صارمة. فالوكيل الذي يدير سلسلة توريد عالمية، أو يضبط عمليات مالية لحظية، لا يحتمل تأخيراً شبكياً، ولا بيانات قديمة، ولا ثغرة أمنية عابرة. وتشير تقديرات تشغيلية إلى أن تشغيل وكلاء مستقلين بشكل مستمر قد يضاعف استهلاك الموارد الحوسبية مقارنة بتطبيقات الذكاء التفاعلي، ليس بسبب حجم النموذج فقط، بل نتيجة متطلبات الذاكرة، وبث البيانات اللحظي، وإدارة الهويات غير البشرية (أي الحسابات الآلية والوكلاء البرمجية ذات الصلاحيات التشغيلية).

لهذا، اندفع الاستثمار نحو الطبقات التي تضمن الآنية، والاستمرارية، والحوكمة. لم تعد القيمة في النموذج ذاته، بل في البيئة التي تسمح له بالعمل دون انقطاع، وبأقل قدر من المخاطر.

من المنتج إلى المنظومة

أحد أهم دروس 2025 أن الذكاء الاصطناعي لم يعد منتجاً قائماً بذاته، بل منظومة تشغيلية متكاملة. ويتضح ذلك بجلاء في تحركات شركات الرقائق والحوسبة. فالتنافس لم يعد يُحسم بسرعة المعالج أو كفاءة الخوارزمية، بل بقدرة الشركة على تسليم نظام متكامل جاهز للتشغيل داخل مراكز البيانات.

في هذا السياق، شكّلت صفقة استحواذ “إيه إم دي” AMD على “زد تي سيستمز” ZT Systems مقابل 4.9 مليارات دولار مثالاً دالاً. فالصفقة لم تكن رهاناً على معالج جديد، بل على امتلاك الخبرة الهندسية اللازمة لتصميم أنظمة تضم آلاف المعالجات، مع شبكات وتبريد محسوبين بدقة. إنها خطوة من بيع “لمكوّن” إلى بيع “النظام”.

هذا التحول يعكس منطقاً دفاعياً جديداً: فالخوارزمية يمكن شراؤها أو ترخيصها، أما النظام المتكامل فهو أصل ثقيل يصعب استنساخه، ويخلق خندقاً تنافسياً طويل الأمد.

صناعة فيزيائية ثقيلة

أكدت صفقات 2025 أن الذكاء الاصطناعي لم يعد نشاطاً برمجياً مجرداً، بل صناعة فيزيائية ثقيلة تحكمها قوانين الطاقة والحرارة وسرعة الإشارات. وتشير تقديرات قطاع الطاقة إلى أن مركز بيانات واحداً مخصصاً لتدريب نماذج متقدمة قد يستهلك طاقة تعادل استهلاك مدينة صغيرة، ما يجعل الكهرباء والتبريد عاملين حاسمين في جدوى الاستثمار من أساسه.

هذا الواقع أعاد ترتيب الأولويات الاستثمارية. فلم يعد الاستثمار في الطاقة بنداً تشغيلياً ثانوياً أو التزاماً بيئياً فقط، بل تحوطاً استراتيجياً يحدد قدرة الذكاء الاصطناعي على الاستمرار والتوسع. ومع توقعات بارتفاع الطلب العالمي على كهرباء مراكز البيانات بأكثر من 160% بحلول 2030، بات واضحاً أن القدرة على الوصول إلى الطاقة ستصبح عاملاً حاسماً في امتلاك الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع.

خندق الدفاع الجديد

في الاقتصاد السياسي للتقنية، لا تُقاس القوة بما هو لامع، بل بما هو صعب الإزاحة. ومع تآكل التفوق الخوارزمي، بحثت الشركات الكبرى عن خنادق أعمق وأكثر استدامة، فوجدتها في السيطرة على سلسلة الإمداد الكاملة التي تغذي الذكاء الاصطناعي: من الرقاقة إلى مركز البيانات، ومن الطاقة إلى الشبكة، ومن الأمن إلى الحوكمة.

هنا، تحولت البنية التحتية إلى خندق دفاعي فعلي، يحدد من يستطيع تشغيل الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع وبكلفة قابلة للاستدامة، ومن سيظل معتمداً على بنية لا يملكها، وبالتالي خاضعاً لشروط غيره.

ما تكشفه صفقات 2025 ليس مجرد موجة اندماج واستحواذ، بل إعادة تعريف عميقة لمصدر القوة في الاقتصاد الرقمي. فإذا كان هذا الجزء قد شرح لماذا تغيّر مركز الثقل من الخوارزميات إلى البنية، فإن الجزء الثاني ينتقل إلى السؤال الأكثر حساسية: من يسيطر فعلياً على هذه البنية؟ وكيف تُمارَس هذه السيطرة؟