حصاد إقتصادي (1-3)

2025 عام الاختبار الصعب للفيدرالي الأميركي: صراع السياسة والنقد في قلب الاقتصاد العالمي

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

شكّل عام 2025 محطة مفصلية في مسار الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، ليس فقط من حيث أدوات السياسة النقدية، بل من حيث موقع المؤسسة داخل معادلة السلطة السياسية والاقتصاد العالمي. ففي بيئة اتسمت بتباطؤ النمو، وتراجع زخم سوق العمل، وتزايد هشاشة التوقعات، وجد البنك المركزي الأمريكي نفسه أمام مزيج معقّد من الضغوط: بيانات اقتصادية غير مريحة من جهة، وتصعيد سياسي غير مسبوق من البيت الأبيض من جهة أخرى.

دخل الفيدرالي 2025 محافظاً على سعر الفائدة الأساسي ضمن نطاق 4.25% – 4.50%، في محاولة لتثبيت التوقعات وكسب مزيد من الوقت لقراءة مسار التضخم والنمو. غير أن مؤشرات سوق العمل، التي أظهرت تباطؤاً متدرجاً وارتفاعاً في معدلات البطالة، إلى جانب انحسار الضغوط التضخمية، دفعت لجنة السوق المفتوحة إلى تعديل موقفها.

في يوليو، أُقِرّ أول خفض للفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، أعقبه مسار تيسيري تدريجي انتهى في ديسمبر عند نطاق 3.50% – 3.75%، ليبلغ إجمالي الخفض خلال العام 75 نقطة أساس. ورغم الطابع الفني لهذه القرارات، فإن محاضر الاجتماعات عكست انقساماً داخلياً واضحاً بين تيار حذِر يخشى إعادة إشعال التضخم، وآخر يرى أن مخاطر الركود باتت أكثر إلحاحاً.

صراع ترامب وباول

في عام 2025، بلغت المواجهة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول ذروتها، حيث شن الأول هجمات متكررة على الأخير، داعياً إلى “إقالته الفورية” بسبب رفضه خفض أسعار الفائدة بوتيرة سريعة تلبي طموحات الإدارة. كانت هذه التصريحات علنية وغير مسبوقة في سياق استقلالية البنك المركزي الأمريكي، وضرورة اعتماد سياسات نقدية تستند فقط إلى بيانات الاقتصاد وليس إلى ضغوط سياسية، وهو ما أثار ردود فعل واسعة داخل وخارج الولايات المتحدة.

علاوة على ذلك، حاول ترامب استبعاد أعضاء معينين من مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، منها محاولة إقالة الحاكمة ليزا كوك، والتي تفاقمت إلى نزاع قانوني مستمر في المحاكم، مع تأكيد القضاء على عدم قانونية هذا الإجراء لحين الفصل النهائي في القضية.

على الرغم من انخفاض التضخم إلى 2.7%، ظل نمو الوظائف في الولايات المتحدة ضعيفاً، وارتفع معدل البطالة إلى 4.6% في نوفمبر، بعد أن بلغ 4.4% في سبتمبر من هذا العام، وهو أعلى مستوى منذ 2021، ما زاد الضغوط على صُناع السياسة النقدية نحو مزيد من التخفيضات في أسعار الفائدة. وعانت البيانات الاقتصادية أيضاً من تشويش نتيجة الإغلاق الحكومي الذي أثر على جمع البيانات الرسمية الاقتصادية، وهو ما عقّد الأمور أكثر على قراءة اتجاهات التضخم الحقيقية.

يُذكر أن معدل التضخم لا يزال أعلى من هدف البنك المركزي البالغ 2%، لكنه قريب بما يكفي لترك مجال لتخفيضات محتملة في أسعار الفائدة، وهو ما تفضله “وول ستريت” لدعم الاقتصاد ورفع قيمة الاستثمارات.

اتجاهات البنوك المركزية في 2025

  • بنك انجلترا

لم تكن قرارات الفيدرالي شأناً داخلياً بحتاً. ففي المملكة المتحدة، تبنّى بنك إنجلترا سياسة حذرة في مقاربة السياسة النقدية، عاكساً تعقيد المشهد الاقتصادي البريطاني الذي اتسم بتباطؤ النمو، واستمرار الضغوط التضخمية بوتيرة متفاوتة، إلى جانب تراجع ديناميكية سوق العمل وارتفاع معدلات البطالة. 

في هذا السياق، خفّض البنك أسعار الفائدة بشكل محدود، بمقدار 25 نقطة أساس إلى 3.75%، في خطوة هدفت إلى توفير دعم محسوب للنشاط الاقتصادي دون تقويض معركته ضد التضخم أو إطلاق إشارات تيسير مفرط قد تعيد إشعال ضغوط الأسعار.

غير أن هذا النهج التدريجي لم يكن خالياً من التحديات؛ إذ واجه بنك إنجلترا صعوبة في إيصال توجيه مستقبلي واضح للأسواق بشأن مسار السياسة النقدية، ما انعكس في تقلبات ملحوظة في سوق السندات البريطانية وتقاطع توقعات المستثمرين بشأن توقيت وحجم أي تخفيضات إضافية. وفي موازاة ذلك، انصبّ تركيز المؤسسة على إدارة المخاطر المرتبطة بإعادة هيكلة سوق الدين السيادي، في ظل مستويات مرتفعة من الاقتراض الحكومي، واستباق سيناريوهات الركود المحتملة، مع مراعاة التأثير غير المباشر لسياسات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي على الجنيه الإسترليني وتدفقات رؤوس الأموال.

  • بنك اليابان

شهد بنك اليابان المركزي تحولاً في السياسة النقدية خلال 2025، مع قراره رفع سعر الفائدة الرئيسي إلى 0.75% في ديسمبر، وهو أعلى مستوىً منذ ثلاثة عقود، في خطوة أنهت عملياً حقبة طويلة من السياسة النقدية فائقة التيسير. جاء هذا التحول استجابة لاستمرار الضغوط التضخمية وتجاوز الهدف الرسمي للبنك، ومدفوعاً بارتفاع تكاليف الاستيراد وضعف الين وتنامي الضغوط على القدرة الشرائية للأسر. الأمر الذي عكس تشكك المستثمرين في قدرة المركزي الياباني على مواصلة رفع الفائدة بوتيرة كافية لتقليص فجوة العائد مع الدولار الأمريكي.

دفع ذلك طوكيو إلى إطلاق تحذيرات صريحة من احتمال التدخل في سوق العملات للحد من التحركات غير المنضبطة لسعر الصرف، في ظل بيئة نقدية عالمية لا تزال متأثرة بقوة سياسات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. وفي هذا الإطار، بدا تحرك بنك اليابان منسجماً مع تنسيق غير معلن بين البنوك المركزية الكبرى، يوازن بين متطلبات الاستقرار المحلي وضغوط النظام المالي العالمي الذي ما زال يدور في فلك السياسة النقدية الأمريكية.

  • المركزي الأوروبي ومنطقة اليورو

واصل البنك المركزي الأوروبي نهجه الحذر، محافظاً على أسعار الفائدة دون تغيّر كبير، في ظل ضعف النمو الاقتصادي وتراجع التضخم باتجاه الهدف المنشود، مدعوماً بتوقعات الأسواق التي تعكس تخفيفاً نقدياً تدريجياً مقارنة بالفيدرالي. وفي هذا الشأن، رفع المركزي الأوروبي توقعاته للنمو في منطقة اليورو إلى 1.4% في 2025، و1.2% في 2026.

انعكست هذه السياسة على قوة اليورو وتدفقات رؤوس الأموال، حيث أدت الفوارق السعرية بين الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي إلى ضغوط على سعر الصرف وأثرها على التجارة الدولية.

في المقابل، أبقى البنك المركزي النرويجي “نورجس بنك” سعر الفائدة عند 4%، مع ترجيحات اقتصادية بأن أول خفض قد لا يأتي قبل صيف 2026.
وقرر البنك المركزي السويدي “ريكس بنك” الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير عند 1.75%. وكان البنك قد خفّض الفائدة 25 نقطة أساس في سبتمبر، قبل أن يثبتها في نوفمبر، مع إشارة واضحة إلى أن الأسعار ستظل مستقرة لفترة من الوقت.

حدود التأثير ودور الدولار

لا يقتصر تأثير الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي على توجيه السياسة النقدية داخل الولايات المتحدة، بل يمتد عملياً إلى ضبط إيقاع النظام المالي العالمي ككل. فقراراته المتعلقة بأسعار الفائدة لا تُقرأ في الأسواق الدولية بوصفها إجراءً وطنياً، بل كمؤشر مرجعي يعيد تشكيل تدفقات رأس المال، وحركة العملات، وتسعير الأصول، وحتى هوامش المناورة السياسية-الاقتصادية في عدد كبير من الدول.

في هذا السياق، نادراً ما ينصبّ سؤال الأسواق العالمية على ما إذا كان الفيدرالي سيتحرك، بقدر ما يتركز على سرعة هذا التحرك، ونطاقه، ومدى قابلية التنبؤ به. وتنبع هذه الحساسية من الموقع المحوري للدولار في النظام المالي الدولي، ومن كون الأصول الأمريكية – وعلى رأسها سندات الخزانة- تمثل المعيار العالمي لتسعير المخاطر والعوائد.

تدفقات رأس المال وشهية المخاطرة

ويتجلى هذا النفوذ بصورة مباشرة عبر قنوات تدفقات رأس المال وشهية المخاطرة. فعندما يرفع الفيدرالي أسعار الفائدة، تزداد جاذبية الأصول الأمريكية، ما يؤدي عادةً إلى إعادة توجيه رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة والحدودية نحو الولايات المتحدة، مع ما يرافق ذلك من ضغوط على العملات المحلية وتكاليف التمويل. أما في فترات خفض الفائدة، فيميل المستثمرون العالميون إلى البحث عن عوائد أعلى خارج السوق الأمريكية، ما يعزز التدفقات نحو الأسهم والأسواق الناشئة والأصول الأعلى مخاطرة.

إلى جانب ذلك، تُعدّ عوائد سندات الخزانة الأمريكية المعيار العالمي الخالي من المخاطر، وهو ما يجعل أي تغيير في سياسة الفيدرالي مؤثراً بشكل غير مباشر على عوائد السندات السيادية في أوروبا وآسيا والأسواق الناشئة، وعلى تكاليف اقتراض الشركات عالمياً، وعلى استدامة الدين العام، لا سيما في الدول ذات المديونية المرتفعة. وحتى البنوك المركزية التي لا تتبع السياسة الأمريكية بشكل مباشر، غالباً ما تجد أسواق سنداتها تتحرك بالتوازي، إذ يعيد المستثمرون العالميون تسعير المخاطر انطلاقاً من منحنى العائد الأمريكي.

عام انتقالي لا إجابات نهائية

لم يكن 2025 عاماً للحسم بقدر ما كان عاماً لإعادة تعريف التوازنات: بين التضخم والبطالة، بين الاستقلال النقدي والضغط السياسي، وبين الدور الوطني والعالمي للفيدرالي. وقد أظهرت التجربة أن السياسة النقدية، مهما بلغت دقتها التقنية، فإنها لا تعمل في فراغ.

ومع دخول 2026، تبقى الأسئلة مفتوحة حول قدرة الاقتصاد العالمي على تجنب ركود أعمق، وحول حدود التنسيق بين البنوك المركزية الكبرى في نظام لا يزال يدور، إلى حد كبير، في فلك القرار النقدي الأمريكي.